الثلاثاء، 18 مارس 2008

اسرائيل والخيار التاريخي

إسرائيل والخيار التاريخي

د. عزمي بشارة

بات تراكم الأحداث باتجاه واحد في السنوات الأخيرة يدل على تغير كيفي في حال القضية الفلسطينية إقليمياً. ولم يعد بوسع المحلل والمراقب المسيس تجاهل التشابه بين السياق "العربي "الإسرائيلي"" الحالي وحال الدول الصليبية في عصرها في المنطقة العربية.

فقد رفضت "إسرائيل" السلام العادل مع الشعوب العربية والشعب الفلسطيني، ونقصد ذاك الممكن والمتمثل بالعيش المشترك في "دولة واحدة" ديمقراطية لجميع مواطنيها العرب واليهود، بحيث تشكل جزءاً من المنطقة العربية، أو ذاك الحل الآخر الممكن والمتمثل بتسوية في "حل الدولتين" مع ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

وقد اختارت "إسرائيل" نموذجاً ثالثاً حتى بعد "أن تبنى العرب حلولاً ومبادرات سلمية طرحت رسمياً" عليها. هي اختارت نموذج الدولة الصليبية.

ولا تتناقض التسويات والمعاهدات وحتى التعاون الأمني في علاقاتها الحالية مع أنظمة عربية مع هذا النموذج. فالدول الصليبية الأربع لم تعش بالفروسية والحصون وحدها، وما كان بإمكانها ذلك أصلاً. لقد نجحت الدولة الصليبية طيلة 190 عاماً، بواسطة الجمع بين الحصون والقلاع والتسويات والمعاهدات مع أمراء وسلاطين ومماليك، وفي الرهان على خلافاتهم في تحالفات مع بعضهم ضد بعضهم الآخر.

ولكن هذه التسويات لم تتحول إلى سلام ولم تقبل شعوب المنطقة بالدولة الصليبية. فاستمرت هذه نبتة غريبة ثقافياً وحضارياً وسياسياً. وفي النهاية أصبح امتحان الزعامة العربية الإسلامية في تقديم نماذج لمحاربتها وهزيمتها.

لقد انتهت الدولة الصليبية رغم جمعها بين التسويات وحملات القتل والإبادة، (وللتذكير، انتهت حتى في غياب شعب فلسطيني).

وليست هنالك حاجة للتذكير أن تعبير "الصليبية" نفسه هو تعبير أوروبي متأخر (وليس عربياً أو إسلامياً)، يعود إلى مؤرخي القرن السابع عشر في فرنسا. أما العرب فقد اسموهم الإفرنج أو الفرنجة. والتعبير لا يعني المسيحية (بالتأكيد ليس الشرقية، ولا حتى الغربية) ولا يتطابق معها.

وقد أعد هذا المقال بحلقاته الثلاث للتفكير في الخيارات التي رفضتها "إسرائيل" وبالخيار الذي انتهت اليه، خيار الدولة الصليبية. ونقصد بها الدولة الاستيطانية الغريبة عن محيطها التي قامت بالعدوان، وتعيش بالسيف والتسويات والهدنات المؤقتة وباستغلال الخلافات في محيطها، ولكنها لا تكتسب شرعية في محيطها عبر الزمن.

عموماً، لم تُطرَح قضيةٌ كولونيالية، قضية شعب تحت الاحتلال إلا كقضية تحرر من الاحتلال وإزالة الاستعمار. ولكن في فلسطين طرحت التصورات للتسوية حتى اليوم كمشاريع حلول لمعضلة أو قضية شائكة هي قضية فلسطين.

وفي التعامل مع الحالة الاستعمارية في فلسطين كأنها قضية شائكة أو معضلة، وفي التعامل مع "قضية فلسطين" كأنها معضلة، يكمن تخصيص يهدف إلى تمييزها عن بقية قضايا التحرر الوطني، وذلك بخلطها مع النزاعات الحدودية والتمايز الديني والحضاري والمسألة اليهودية. هذا التعقيد المصطنع هو الذي أقصى فلسطين عن عملية إزالة الاستعمار. ولكنه يتحول أيضاً إلى المانع أمام "حل دائم"، وهذا التعقيد الذي يستخدم لمنع الحلول يقود في النهاية إلى التمسك عربياً برفض شرعية "إسرائيل" وإلى نموذج الصراع المستديم.

انطلقت ثقافة مرحلة النضال ضد الاستعمار من أنه من واجب الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أن تقاوم الاحتلال، ويبقى على الدولة الاستعمارية أن تستنتج من مقاومة الاحتلال ما تستنتج من حلول لقضية عدم تمكنها من السيطرة، وعدم تمكنها من تحمل تكلفة الاحتلال.

ولم يكن التفكير بتحرير فلسطين كبلد عربي ممكناً إلا في سياق معادلة: استعمار مقابل حركة قومية عربية. فُهِمَ التحرير كمهمة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية التي افترض أن تقاوم احتلالاً أجنبياً لجزء من الوطن العربي.

لم تكن المعركة من هذا المنظور منفصلة عن الشعوب العربية. بل كانت جزءاً من القضايا العربية، وكانت رمزياً هي القضية العربية لأنها كثفت في ذاتها بقية القضايا القومية، مثل التجزئة والتبعية، والهيمنة الخارجية، وقطع التواصل العربي، وشرعية الأنظمة. ومارس العرب (أو لم يمارسوا حين لم يمارسوا) تضامناً مع الفلسطينيين على المستوى الإنساني. أما على المستوى السياسي فلم يكن الحديث ممكناً عن تضامن، إذ إن المعركة واحدة.

ليست المعركة ضد الصهيونية و"إسرائيل" قضية الفلسطينيين وحدهم بحيث يتضامن معهم العرب سياسياً. فهي إما قضية العرب، أو هي "نزاع فلسطيني- "إسرائيلي". لا توجد قضية فلسطينية خارج السياق العربي. ولن يلبث أن يتحول ما يسمى "النزاع الفلسطيني- "الإسرائيلي"" إلى صراع حدودي بين كيانين يخضع لموازين القوى بينهما في غياب العرب.

بعد عام 1967، أي بعد الهزيمة التي مني بها التيار القومي وهو على سدة الحكم في دول عربية مواجهة، وصلت إلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية فئات سياسية اجتماعية اتجهت عبر تشديدها على الكيانية الوطنية نحو التحول إلى نظام عربي، أو إلى أحد الأنظمة العربية. ومع الردة التي حصلت بعد الحرب على مستوى الأنظمة خاصة في مصر، التقت هذه الرغبة خلال فترة قصيرة مع رغبة جزء من النظام العربي الرسمي. فمثلاً النظام المصري الذي ولدت مرحلته القومية صيغة منظمة التحرير اتجه نحو قطع الصلة مع العرب في ما يتعلق بالصراع مع "إسرائيل"، وقرر أن يذهب في طريقه التسووي الذي حتمته سياسته في حينه. فقد كان السلام المنفرد مع "إسرائيل" جزءاً من رزمة تضمنت تغيير بنية الاقتصاد، وشملت أيضاً خيار التحالف مع الولايات المتحدة إقليمياً.

وفي حالة مصر يبدأ قطع الصلة السياسية مع العرب بفك الارتباط مع قضية فلسطين. ما بدأ كموقف وطني على شكل دعمٍ مصريٍ لمنظمة التحرير "ممثلاً شرعياً ووحيداً" ضد الأردن في قرارات قمة الرباط، ثم تحول إلى دعم "استقلالية القرار الفلسطيني" ضد سوريا، كان في الواقع موافقاً للسياسة الجديدة بقطع صلة مصر مع "الصراع العربي- "الإسرائيلي"" ولينتهي إلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية الفلسطينيين. وكما قلنا يستخدم بعض العرب مؤخراً حتى مقولة اسوأ: "الصراع" أو "النزاع الفلسطيني- "الإسرائيلي"".

ونجد مثالاً متأخراً لهذا السلوك الفلسطيني في إصرار ياسر عرفات رحمه الله على فصل الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن عن الأردني؟ فماذا كانت النتيجة؟ سلام أردني- "إسرائيلي" ناجز ومنفصل، وعملية سلام مرتبكة متخبطة لا يحكمها مبدأ بين "إسرائيل" وقيادة منظمة التحرير، ما زالت مستمرة بعد عقد ونصف العقد على السلام الأردني- "الإسرائيلي".

هذه خلفية اعتبار النظام الرسمي العربي محاصرة الفلسطينيين، والقصف "الإسرائيلي" الوحشي على مجتمع مسجون في غزة، قضية الفلسطينيين. وقد انقسم النظام العربي بين متضامن معهم ولائم لهم يحملهم المسؤولية لأنهم يعرضون أنفسهم لغضب "إسرائيل". ووصلت الحاجة إلى تأسيس وترويج موقف غير شعبي كهذا شعبياً درجة تأليب المشاعر الوطنية المصرية ليس مع فلسطين وضد "إسرائيل"، كما هي في سجيتها، بل ضد "غزوة فلسطينية".

ترك القضية للفلسطينيين هو نتاج لقاء بين نوعين من المواقف والتصورات:

أولاً، مصالح أنظمة عربية أخرجت نفسها ودولها من تعريف العرب كذات سياسية فاعلة ذات أمن قومي ومصالح ومواقف مشتركة من جهة.

ثانياً، مع نضال قيادة حركة التحرر الفلسطيني لكي تصبح نظاماً عربياً هي أيضاً من جهة أخرى.

ترحب الدول العربية بالسلطة الفلسطينية تحت عنوان "م ت ف" كنظام عربي لأنه يلبي حاجة الأنظمة بأن تترك "القضية" للسلطة والمنظمة تحت عناوين شتى من نوع "وحدانية التمثيل" و"استقلالية القرار" وغيرها. تتحول فلسطين من قضية بلد عربي محتل، إلى نزاع فلسطيني "إسرائيلي" على حدود دولة فلسطينية افتراضية، ومن "القضية الفلسطينية"، إلى قضية الفلسطينيين، ثم إلى قضية الفلسطينيين القاطنين في الضفة وغزة من دون غيرهم، ومن حلقة ضرورية من حلقات التحرر والوحدة العربية إلى مسألة كيان سياسي آخر، ومن صراع مع الصهيونية وما تمثله في هذه المنطقة إلى نزاع حدودي.

وتتحول المقاومة من التحرر إلى البحث عن حلول لمعضلة. ويتحول البحث عن حل إلى تفاوض بين محتل وواقع تحت الاحتلال، قبل أن يقتنع المحتل بموضوع التفاوض الوحيد الممكن في مثل هذه الحالة وهو: كيفية إزالة الاحتلال. ويتحول التفاوض إلى "عملية سياسية جارية" تفصلُ فيها "حلول" و"مخارج" بموجب موازين القوى السائدة في ظل ابتزاز تتعرض له النخبة السياسية للشعب الواقع تحت الاحتلال لدفع ثمن بقائها قيادة مقبولة على الساحة الدولية و"المجتمع الدولي".

في ظل هذا النموذج نشأ التعويل العربي على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي على مصطلحات مثل "الشرعية الدولية" و"المجتمع الدولي". وهي عوالم افتراضية بديلة لعالم حقيقي تم التخلي عنه وهو معركة التحرر العربي والفلسطيني ضد "إسرائيل" والصهيونية والمجتمع العربي. المجتمع الدولي هو مجتمع افتراضي. وهو تعبير يُعَدّ خصيصاً ويُفصّل للغة المناشدة. ولا يعني في الممارسة الفعلية شيئاً سوى موازين القوى القائمة لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية.

خيار الدولتين كحل ناجم عن تفاوض، أو يفترض أن تتوصل إليه المفاوضات، هو نتاج هذا السياق، سياق البحث عن "حلول لمعضلة". ولكن سخرية التاريخ أن نفس السياق الذي أوصل النظام الرسمي العربي ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى التنازل والاقتناع بفكرة "حل الدولتين" الذي يعرض ممارسة حق العودة للخطر بحكم تعريفه، هو نفس سياق القبول العربي بموازين القوى حَكَماً، والرهان الحصري على الاستراتيجية الأمريكية.

وهذا ما مكن "إسرائيل" من تفريغ الحل من مضمونه برفضها الانسحاب من القدس المحتلة، ورفض الانسحاب إلى حدود عام 1967، والإصرار على الاحتفاظ بكتل استيطانية في الضفة الغربية.

و"حل الدولتين" الذي أفرغته "إسرائيل" من المضمون هو الحل الوحيد الذي يمكن أن ينتج عن مفاوضات في هذه الظروف، فلا يبدو أن "حل" الدولة الواحدة يمكن ان ينتج برضا "الطرفين" أو يتمخض عن مفاوضات بينهما في هذه المرحلة.

رفض "حل الدولتين" هو رفض لحل كان يمكن أن يشكل أساساً لتعايش في المنطقة العربية، مع أنه لا يجسد عدلاً، ولكنه يتضمن الحد الأدنى من الإجماع العربي إذا تضمن استعادة القدس وعودة "إسرائيل" إلى حدود عام 1967 واعترافاً بحق العودة.

ولكن "إسرائيل" رفضت هذا الخيار، كما أسلفنا، رفضت خيار الدولتين بشكله ومركباته التي كان يمكن أن تقبل عربياً، وسياساتها تجعله غير ممكن التحقيق في المستقبل. فما هو الخيار الآخر؟

على هذا السؤال نجيب في الحلقة القادمة.

(2-3)

الدولة الواحدة الديمقراطية

لقد تم تقزيم التفاوض على "حل الدولتين" وتفريغه من أي مضمون. إذ فقدت حركة التحرر الوطني الفلسطيني مصادر قوة حركة التحرر، بما فيها التعويل على المجتمع العربي بدل "المجتمع الدولي". فقدتها، وتخلت عنها من دون أن تصبح دولة، وقبل أن تضمن السيادة. وأصبح كيان السلطة الذي أقامته مرتبطاً كلياً بالتفاوض وبحسن النية الأمريكي- "الإسرائيلي"، وبمواقف الرأي العام "الإسرائيلي" وغير ذلك. وتحوَّل التفاوض على الدولة الفلسطينية إلى عملية ابتزاز، يتم فيها تقديم تنازلات ومقايضتها بقضايا متعلقة بالحقوق الثابتة.

ومن خيار اعتبار التفاوض بديلاً عن المقاومة، وليس نتيجة لها، تنشأ قيادة فلسطينية جديدة. وهي قيادة محتواة في العملية السياسية التفاوضية إلى درجة ارتباطها وجودياً بهذه العملية. و"إسرائيل" تعرف ذلك، كما نعرفه. وهي تستبدل التفاوض السياسي الجوهري بمكرمات ومبادرات حسن نية "إسرائيلية" تحتاجها هذه القيادة في مقابل محاصرة ومحاربة واغتيال القوى الفلسطينية التي تتبنى خيار المقاومة وترفض التخلي عنه.

هكذا يصبح ما كان مفروغاً منه تحت الاحتلال ذاته مثل الكهرباء والماء وحرية التنقل والعمل والغذاء والدواء موضوعاً للتفاوض والمساومة... ويغدو إنجازاً في وجه القوى التي "تستفز" أو "تغضب "إسرائيل"" بنهجها و"تعرض نفسها ومجتمعها لحصار" بعدم تخليها عن خيار المقاومة، فهذا الخيار يمنع عنها هذه "الإنجازات" العظيمة (التي كانت قائمة في ظل الاحتلال).

في مرحلة التحرر الوطني، كان الطرف الفلسطيني الذي يطرح نفسه كوسيط مع الاحتلال، لأن الاحتلال يوفر بواسطته تصاريح السفر والعمل والكهرباء والوقود وغيرها، كان يُعتبَرُ عميلاً، وكانت هذه الاستراتجية تعتبر محاولة لخلق قيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي اعتبرت قيادة وطنية لأنها لا تقبل بالخدمات في ظل الاحتلال حلاً، وتصر على التخلص من الاحتلال ذاته.

في مرحلة التفاوض على الدولة أصبحت هذه أدوات "إسرائيلية" فلسطينية للتمييز بين قيادة معتدلة تستحق أن تدعم بواسطة هذه الخدمات، وقيادات أخرى متطرفة يجب أن تدفع الثمن شعبياً بالضغط على المجتمع الفلسطيني ليتخلى عنها لأنها تتمسك بخيار المقاومة.

ولكن، في الوقت الذي يجري فيه تفريغ برنامج الدولة الفلسطينية كجزء من "حل الدولتين" من أي مضمون، يبدو أن التيار الفلسطيني المقاوم، الذي يتشكل بغالبيته حالياً من قوى تتبنى أيديولوجية دينية، متمثلة بحركتي حماس والجهاد، لا يميل إلى طرح ديمقراطي بديل يتضمن خياراً ل"الإسرائيليين" مثل "حل الدولة الواحدة". لم يطرح خيار الدولة الواحدة لكافة المواطنين العرب واليهود بشكل فعلي وحقيقي في تاريخ الصراع. فقد نظر العرب بحق إلى الصهيونية كحركة استعمارية وإلى الصهاينة من غير المقيمين أصلاً في فلسطين كمستعمِرين يحركهم هدفُ إقامةِ دولةٍ في بلد يقيم فيه شعب آخر. لم يكن وعد بلفور سراً، وقد كانت مشاريع الصهيونية بإقامة دولة يهودية في فلسطين معروفة معلنة تخفى على الجهلة فقط.

ولأن الصهيونية كانت، ولاتزال، تعني في الممارسة العمل على جلب عدد غير محدود من "القادمين" المستوطنين إلى فلسطين، فلم تكن حدود المواطنة واضحة المعالم. والمواطنة المتساوية هي أساس وجوهر فكرة العيش في دولة واحدة من دون هيمنة صهيونية. وهي أيضاً الرسالة العربية المطلوب أن تقدم شيئاً للمجتمع اليهودي لإبعاده عن فكرة الدولة اليهودية، وأقصد شرعنة الوجود في فلسطين بواسطة المواطنة. هذه رسالة عيش مشترك، وهي نقيضة للإبادة أو الطرد أو "رمي اليهود في البحر" (التي تتغنى بها وتخترعها إلى حد بعيد الدعاية الصهيونية في حين رمت "إسرائيل" الفلسطينيين في البحر والصحراء). ولكن بدا أن كل تحديد يقوم به العرب لتاريخ لا يعتبر بعده المهاجرون مقيمين شرعيين من أجل توضيح حدود المواطنة هو تحديد غير واقعي ومثير للسخرية والتسخيف.

ومن الناحية الأخرى، وهي الأهم، أصرت الحركة الصهيونية على إطار الدولة اليهودية في فلسطين كحل للمسألة اليهودية. هذا هو مبرر وجود الصهيونية التاريخي بنظر ذاتها. وقد كانت الدولة اليهودية موضوع وعنوان الصراع الذي خاضته حتى داخل المجتمعات اليهودية في الشتات، ناهيك عن الدول العظمى، وتحصيل وعد بلفور، وناهيك عن مشروع الاستيطان نفسه. وهو مشروع قام على أنقاض عرب فلسطين، ولم يهدف إلى الحياة مع العرب في كيان سياسي واحد.

هذا صحيح من الناحية التاريخية، ما عدا في استثناء قصير واحد هو طرح "هشومير هتشعير" فكرة الدولة الثنائية القومية في الثلاثينات، ولكن هذا الطرح جاء في خضم نشاطها الاستيطاني في تناقض مع السكان الأصليين.

من السخف الاعتقاد أن الصهيونية، وأي تيار من تياراتها، و"إسرائيل" أو أي مركب من مركباتها الحزبية السياسية، أو حتى الاجتماعية الرئيسية، يمكن أن تقبل الآن ب"الدولة الواحدة" الديمقراطية كإطار لحل.

ليس هذا النموذج حلاً تفاوضياً في إطار موازين القوى الحالية بالمعنى الذي يفهم في أيامنا هذه من كلمة "حل". وعندما طرح لفترة قصيرة من قبل حركة فتح مثلاً في السبعينات اعتبر "إسرائيلياً" على أنه رديف لعبارة "إزالة "إسرائيل"". كما طرحت فكرة الدولة الواحدة من قبل "م ت ف" كبرنامج "الدولة الديمقراطية العلمانية" بحيث تضمن المساواة الكاملة بالحقوق بين سكان البلاد: مسلمين ومسيحيين ويهود. أي أنها تعاملت مع الديانات تحييداً، وذلك من دون أن تعيِّن طابعاً قومياً للدولة. ولكن لم تطرح أدوات تحول الفكرة إلى برنامج سياسي بعمل يهودي عربي مشترك مثلاً، بل من خلال تحرير فلسطين كبلد عربي. وعلى كل حال لم تدم الفكرة طويلاً في التداول.

وقد اختلف هذه البرنامج الديمقراطي عن فكرة الدولة الثنائية القومية. وهي فكرة تطرح حالياً من قبل مثقفين عرب ويهود. وقد طرحت بداية من قبل يسار الحركة الصهيونية "هشومير هتسعير" في ثلاثينات القرن الماضي ولفترة قصيرة فقط. وتتضمن الفكرة الثنائية القومية اعترافاً بوجود جماعتين قوميتين في فلسطين، تشكل كل منهما كياناً داخل دولة واحدة. وتلبي بالتالي فكرة الوطن القومي، أو الوطن لكل قومية من القوميتين في نفس الدولة، في إطار دولة واحدة تعترف بقوميتين. طبعاً اسقطت "هشومير هتسعير" هذا الطرح سريعاً ولم تتابعه. فقد رُفِض فلسطينياً وصهيونياً... وبقيت شذرات منه تطرح قبل النكبة من قبل أساتذة في الجامعة العبرية ومثقفين يهود بارزين ولكن معدودين في إطار حركة "بريت شالوم".

يسلم نموذج "الثنائية القومية" بوجود قوميتين، واحدة أصيلة وأخرى متشكلة، ولكنها في الحالتين أقرب إلى واقع فلسطين من جنوب إفريقيا. ففي جنوب إفريقيا الجديدة التي يعاد بناؤها بعد انهيار النظام العنصري، جرى تجاهل فكرة القوميات (التي اعتبرت غير متشكلة كفكرة سياسية) لمصلحة فكرة تعدد الثقافات واللغات والديانات والإثنيات في إطار أمة المواطنة الواحدة. أي أن عملية بناء الأمة الجنوب إفريقية الواحدة (خلافاً للأمة الفرنسية مثلاً) لا تتجاهل الإثنيات والقبائل واللغات والجماعات والثقافات. في جنوب إفريقيا، إذاً ليس المطروح نموذجاً متعدد القوميات، بل متعدد اللغات والثقافات والإثنيات.

ومع أن "الحل الثنائي القومية" أقرب إلى واقع فلسطين لأنه يتعامل مع قوميات متشكلة فعلاً، خلافاً لنماذج أخرى مهاجرة (الولايات المتحدة، أستراليا، نيوزيلندا) تبنى فيها الأمة على أساس المواطنة وحدها من دون ذكر القومية، فإنه ليس أكثر واقعية من الناحية السياسية في موازين القوى الحالية في فلسطين.

إضافة إلى ذلك ففي جنوب إفريقيا تبنت حركة التحرر الوطني متمثلة بالمؤتمر الوطني الإفريقي هذا الخيار، خيار التحرر عبر المواطنة المتساوية في إطار الدولة متعددة الثقافات. ولكن حركة التحرر الوطني الفلسطيني تاريخياً اتجهت نحو فكرة الدولة الوطنية منذ منتصف السبعينات.

وهكذا وُجِّهَت الانتفاضة الأولى والثانية في الضفة الغربية وقطاع غزة باتجاه انفصالي وليس توحيدياً مع بقية فلسطين. ولا توجد قوى فلسطينية سياسية حزبية جدية تتبناه، أو تطرح استراتيجية نضاليه سعياً إليه، ناهيك عن أنه ليس خياراً تفاوضياً مع "إسرائيل"، في حين تتبنى النخبة السياسية الفلسطينية طريق التفاوض حصرياً.

وقد انقسمت الخارطة السياسة الفلسطينية والقوى المنظمة الفاعلة فلسطينياً بين قوى تدفع جميعاً باتجاه الدولة، الدولة الوطنية فلسطينية، وتختلف على أمور أخرى. وحقيقة تبني هذا الخيار مؤخراً من قبل مثقفين فلسطينيين ديمقراطيين لا يغير من جديته وجدية مناقشته، بل يؤكد ضرورة ذلك.

ونحن نعتقد أنه لا توجد عوائق كبرى أيديولوجية أو بنيوية فلسطينية ضد مثل هذا الحل، كما أن مصلحة الشعب الفلسطيني بطرح برنامج ديمقراطي يضمن حق العودة ولا يفرط بالحقوق ويعطي إجابة للمواطن اليهودي تجد لها إجابة معقولة لها في تبني مثل هذا الحل. وإذا تم تبنيه فلسطينياً فلن يكون هنالك عائق عربي جدي.

المشكلة أن "إسرائيل" لم تقبل بهذا الموقف أبداً. ولم تنشأ قوى "إسرائيلية" تطرحه أو تتحزب له. وهذا هو العائق الرئيسي أمام تبنيه من قبل نخب سياسية فلسطينية ترى بالتفاوض خيارها الوحيد. أما القوى الفلسطينية المقاومة فتبدو شعاراتها واستراتيجيتها النضالية مخالفة تماماً لمفهوم وروح الدولة الواحدة وفكرة المواطنة الديمقراطية في دولة علمانية.

ومن الواضح أنه ليس ثمة جدوى في انتظار فئات اجتماعية "إسرائيلية" كبرى لتنضم لمثل هذا الطرح. لأن الفئات الاجتماعية الكبرى لا تتنازل عن امتيازات عن طيب خاطر. إن "حل الدولة الواحدة" هو تنازل عن امتيازات اليهود، وذلك بدرجة أكبر في حالة الدولة الديمقراطية العلمانية القائمة على المواطنة، وبدرجة أقل في حالة الدولة الديمقراطية العلمانية القائمة على الاعتراف بقوميتين على شكل اتحاد فيدرالي.

لا يبدو في الأفق القريب وجود تيار سياسي اجتماعي "إسرائيلي" يدفع بهذا الاتجاه في تناقض مع فكرة الدولة اليهودية. وأقصى ما نسمعه من اليسار الصهيوني هو فصل الضفة والقطاع عن "إسرائيل" في دولة، ورفض حق العودة في كافة الحالات.

المشكلة أن من تبنى خيار "حل الدولة الواحدة" مؤخراً تبناه نتيجة لقناعة بفشل "حل الدولتين" على أساس حدود الرابع من يونيو/ حزيران، وليس نتيجة لتبين فرص نجاح "حل الدولة الواحدة"، وأيضاً لأنه بات واضحاً أن حل الدولتين لا يستوعب تطبيق حق العودة... لا يفرز فشلُ "حلِّ الدولتين" بحد بذاته مقومات نجاح حل "الدولة الواحدة".

لا يمكن استنتاج "حل الدولة الواحدة" فورياً من فشل "حل الدولتين". وإذا قبلنا الحديث بلغة الحلول فإن "حل الدولة الواحدة" برأينا أيضاً هو الحل الأفضل والأكثر استيعاباً لمركبات الحقوق الفلسطينية ويتضمن رسالة ديمقراطية للمجتمع "الإسرائيلي".

على كل حال، أهم أسباب عدم نجاح هذا النموذج المطروح حالياً هو رفض "إسرائيل" مجرد التفكير بالفكرة، وغياب أية قوة "إسرائيلية" جدية قادرة على طرح الموضوع على جدول أعمال الرأي العام، اللهم إلا بهدف تخويف الرأي العام "الإسرائيلي" من الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على الفلسطينيين. تطرح فكرة الدولة الواحدة في "إسرائيل" حتى الآن سلبياً، أي للتخويف بها، ولإقناع المجتمع بضرورة التخلي عن مساحات مكتظة بالسكان الفلسطينيين مثل قطاع غزة.

والمشكلة أن "إسرائيل" باتت تلجأ إلى خيار "حل الدولتين" خشية من تطور واقع كهذا يدفع باتجاه "الدولة الواحدة".

وما تقدمه "إسرائيل" حالياً ك "رؤيا بوش" أو ك "رؤيا شارون" هو ليس خيار "حل الدولتين" فعلاً، بل هو إثبات لفشل هذا الحل. ومع ذلك فإن النخبة السياسية الفلسطينية المتولدة عن "عملية السلام"، ومعها أنظمة عربية تريد أن "تتخلص" من هذا "الهم" تساعد "إسرائيل" على تخريجات وصناعة خطاب سياسي، بحيث يبدو ما يطرح وكأنه دولة فلسطينية في إطار "حل الدولتين"... وذلك بآليات مثل "تبادل أراضٍ"، من دون القدس، "الاعتراف بحق العودة من دون ممارسته"، وبكيان من دون سيادة كاملة يسمى دولة، وغيرها من التخريجات والتسميات التي لا ينضب لها معين.

ولكن أليست هذه التسوية سلاماً حتى لو لم يكن عادلاً؟ حول هذا الموضوع في الحلقة القادمة.

(3-3)

تسوية صعبة وإن تحققت

قد تؤدي المفاوضات المتعثرة بين السلطة الفلسطينية (تحت عنوان م ت ف) وحكومة "إسرائيل" إلى اتفاق تقوم على أساسه دولة فلسطينية. وربما تجري بينهما حالياً مفاوضات سرية مكثفة موازية غير متأثرة بردود فعل الساسة اليمينيين في "إسرائيل" أو بما يجري في الشارع العربي. ولا بدّ أن أبحاث هذه المفاوضات أكثر عمقاً مما يظهر في الإعلام.

ويعتقد صناع القرار في أمريكا و"إسرائيل" أن ذلك سوف يبدو إنجازاً كافياً لتحقيق السلام في المنطقة، بعد أن يتم التوصل الى اتفاق على شروط قيام هذه الدولة التي لا تصل حدودها الى حدود 1967، ولا تشمل القدس الشرقية عاصمة وتُسْقِط حقَّ العودة. لقد جهدت "إسرائيل" والإدارة الأمريكية لتحويل مطلب الدولة الفلسطينية إلى رزمة تختزل وتصفي كل الحقوق الوطنية للفلسطينيين.

ويجدر هنا التفكير بمعنى رفض ياسر عرفات مثل هذا العرض في كامب ديفيد. فهو يحمل دلالات ليس بالضرورة لجهة تمسكه بالثوابت، وإن كنا لا نستثني ذلك، بل لجهة فهمه لعدم مشروعية الحل عربياً وفلسطينياً. فهو الذي ربط مصيره الشخصي والسياسي بالمفاوضات وذلك: بعد حرب الكويت، وبعد انحسار "م ت ف" كجهاز في تونس إثر الخروج من بيروت، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وبعد وصول الانتفاضة الى طرق مسدود. وهو لم يقبل هذا العرض بعد أن بات رهينة الحبس "الإسرائيلي" في المقاطعة، ودفع ثمن رفضه، وبدا أن تشييع النظام الرسمي العربي إضافة إلى جزء كبير من القيادة التي أحاطت به شمل أيضاً تنفس الصعداء للتخلص منه كعائق أمام عجلات نفس العملية التي بدأها والتي عادت تدور بعد وفاته.

وقد لا يتم التوصل إلى تسوية. ولكن يجب عدم استبعاد إمكانية التوصل لورقة مبادئ حول الحل الدائم بروح ما رفضه عرفات، بحيث تصلح برنامجاً انتخابياً عند أولمرت وموضوعاً للاستفتاء عند محمود عباس.

وإذا لم يتم التوصل إلى تسوية يبدو لي أن النتائج على الساحة العربية والفلسطينية سوف تكون واضحة من ناحية تقوية المحور الرافض للتسوية والمعوِّل على استمرار المقاومة، رغم أن البعض سوف يواصل "عملية السلام" لسنين طويلة. ولكن إذا تم التوصل الى تسوية من هذا النوع فإنه لا يعني أن الصراع قد وجد نهايته المحتومة. فهذه التسوية ليست "حل الدولتين" الذي يحظى ببعض الشرعية، رغم أنها ترضي قيادات عربية. فهذه تتذرع بقبول ما تقبل به القيادة الفلسطينية لأنها ترغب في التخلص من عبء قضية فلسطين.

إن الكيان الناجم عن المفاوضات والذي يُعرَض وكأنه "حل الدولتين" لا يحظى بشرعية عربية على مستوى الشعوب والرأي العام والمجتمع العربي كتسوية للحساب المفتوح، وكتعويض عن الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني.

قد يقال إن هذا كلام عام. ولكن الحقيقة أنه يترك قضايا ملموسة خارج الحل مثل قضية اللاجئين. وهي الأصل، وذات الوزن النوعي والمعنوي الكبير، وتتضمن معاناة فعلية لملايين البشر. كل ما تعرضه هذه التسوية على اللاجئين هو تغيير اسمهم من لاجئين الى رعايا سفارات في الخارج، أو مغتربين. كما أن "إسرائيل" لن تبقى بعد هذا الحل ساكنة في القدس، بل سوف تنكأ الجراح يومياً بالتهويد المستمر للقدس وأراضيها ومقدساتها. وسوف تتكثف يهودية "إسرائيل" وتزداد تزمتاً وصلفاً في العلاقة مع العرب المواطنين فيها، والذين سوف يُخيَّرون بعد مثل هذه التسوية بين الولاء الكامل ل "إسرائيل" إلى درجة الخدمة العسكرية وبين الحقوق المنقوصة قانونياً. أما من يصر على هويته القومية والوطنية من العرب في "إسرائيل" فقد وجدت هذه من وجهة النظر "الإسرائيلية" تعبيراً كافياً عنها في هذا الكيان الفلسطيني.

وفوق كل هذا سوف يبقى التناقض قائماً بين تطوير الدولة العربية وتحديثها وتحديث جيشها، وتبقى "إسرائيل" كدولة مغتربة عن محيطها على خشيتها ورعبها من أي تطور فيه. وسوف يبقى تناقض "إسرائيل" مع الديمقراطية عربياً لأنها تخشى الأكثرية ورأيها العام وتقلباته.

إذا كان هنالك ثمة سؤال عن المشروعية، فإن الشعب الفلسطيني هو القادر على أن يمنح المشروعية للتسوية إقليمياً. ولكن التسوية المطروحة تتم من خلال تحالف مع طرف فلسطيني ضد أطراف أخرى، أحدها ربح الانتخابات المحلية عندما خاضها. أما في الشتات الفلسطيني فهذا النوع من التسوية، بحكم تعريفه كإقصاء لقضية اللاجئين، لا يحظى بمشروعية. هذه التسوية ليست فقط غير شرعية فلسطينياً، بل إنها أكثر من ذلك سبب احتراب داخلي. وحتى إنضاجها قبل أن يتم التوصل إليها يجري عبر تجويع وقصف جزءٍ من الشعب الفلسطيني واستنزافه الى درجة لا يقوى فيها على الرفض. هذه ليست مؤشرات على شرعية.

وإقليمياً يجري تمرير هذا النوع من التسوية من خلال هيمنة أمريكية وصراع محاور إقليمي، وسوف يحوِّل أحد المحاور عدم عدالة التسوية إلى راية في معاركه.

يجري تمرير التسوية من دون أي تأثير على نفور الشارع العربي من عملية التسوية والسلام وعدم إيمانه برغبة "إسرائيل" بالسلام العادل، ورفضه للامتيازات التي تحظى بها دولياً.

وإن صحت أم لم تصح افتراضات الشارع العربي، يحمل العرب مسؤولية جزء كبير مما هم فيه لهذه الحالة التي أنتجت هذه التسوية، ولتحالف الأمريكي مع "إسرائيل"، ولازدواجية المعايير دولياً. لا التسوية ولا العملية التي قادت إليها شرعية بنظرهم. ولا شك في أن حالة الاستباحة "الإسرائيلية" للشعب الفلسطيني لثنيه عن خيار المقاومة وقبول الشروط "الإسرائيلية" قد رَوَت بذور النقمة وأججت مشاعر الغبن والميل لإلصاق تهم العمالة ل "إسرائيل" وأمريكا بالضالعين في التسوية.

صحيح أن العربي مغلوب على أمره في ظل الأنظمة، ولكنه لا ينظر برضى الى مشهد استمرار التآمر من أطراف عربية مع "إسرائيل" ضد نتائج انتخابات فلسطينية، وهو لا ينظر بعين الرضى الى استمرار التفاوض مع "إسرائيل" وهي تحاصر وتقصف وتقتل المدنيين في وسط العالم العربي، وهو لا يقبل موقف "الاستيطان عقبة في طريق السلام" ولا يعتبره أكثر من رفع للعتب من أجل الاستمرار بالتفاوض رغم الاستيطان، واستهانة بالرأي العام العربي من قبل دول عربية قادرة على فعل أكثر من ذلك بكثير.

من هنا فإنه بعد رفض "إسرائيل" ما تعتبره أوساط عربية وفلسطينية واسعة حلولاً شرعية، فإن التوصل أو عدم التوصل الى اتفاق مع "إسرائيل" خارج إطار الحلول العادلة لا يعني إلا تبني "إسرائيل" نموذج الصراع المستديم، الذي يستمر رغم التسويات والتحالفات.

في الواقع سوف يستمر الصراع بعد هذا النوع من التسوية. فهي تمثل خياراً عرفته المنطقة العربية في الماضي، هو نموذج الدول الصليبية. لقد رفضت "إسرائيل" خيار "حل الدولة" وخيار "حل الدولتين". وإن نجحت أو لم تنجح في فرض تسوية كالتي يجري التفاوض عليها سراً وعلناً، فهي اختارت بالمنظور التاريخي العيش في صراع مستديم من دون شرعية من محيطها.

ونحن لن نذكر أوجه الشبه ولن نقوم بمقارنة بين سياق الصراع الحالي المعاصر وسياق الحملات الصليبية فليس هذا هو المقصود. وطبعاً السياق التاريخي مختلف تماماً. يمكننا أن نذكر أن التسويات كثرت في ظل الدولة الصليبية مع محيطها، بما في ذلك تحالفات مع أمراء ضد آخرين في مصر وبلاد الشام، ولن يكون صعباً أن نجد أمثلة شبيهة راهنة. ويمكننا أن نذكر حتى حرق كنيسة القيامة أيام جنون الحاكم بأمر الله، في باب تقديم الذرائع للحملات، ولن يكون ذكر زعامات غير متزنة شبيهة معاصرة متعسراً. ولو ذكرنا دور الإمارات الشمالية في تسهيل العبور وفتح الطريق أمام جيش الصليبيين من أنطاكية وحتى القدس، ولو ذكرنا تسخير الدين في التعبئة والتجييش وحتى في الفهم الذاتي لمنظمي الحملات ومقاوميها... حتى لو قمنا بكل هذا ووجدنا الأمثلة المقابلة في عصرنا، فسوف نجد دائماً من يجيب بحق أن النظام الدولي الحالي يختلف عن تلك الإمارات العربية والصليبية، وثبات واستقرار الدولة الحديثة العربية واليهودية يختلف جذرياً، ودور الدين اختلف، وعلاقة "إسرائيل" مع الغرب أوثق وأسرع وأكثر كثافة من علاقة الدولة الصليبية التي لم يصل خبر سقوط القدس بيد الصليبيين منها الى البابا إلا بعد وفاته، مع أنها سقطت قبل وفاته بعشرة أيام.

كما يمكن لإحباط أية مقارنة الإشارة إلى الفجوة التكنولوجية والعلمية بين "إسرائيل" والعرب. وهي فجوة لم تكن قائمة بين الدول الصليبية الأربع، ومحيطها الإسلامي العربي والتركي والفارسي.

ويمكن الرد على الرد بالقول إن من يراجع تلك الفترة، يدرك أيضاً أن العرب ليسوا نفس العرب من حيث الوعي الوطني والقومي والهموم المشتركة وفهمهم للاستعمار وللقضية الوطنية. ولذلك لسنا من السذاجة لإجراء مقارنات.

ما يهمنا من هذا النموذج هو: دولة غريبة عن المنطقة أُنشِئَت من خلال حملات عسكرية استيطانية، ثم استقرت من دون أن تندمج بالسكان، بل من خلال بناء القلاع الحصينة والاعتماد على الفروسية، والرهان على وجود تنافر وصراع بين الكيانات السياسية القائمة على النفوذ أو على المصالح أو غيره. (ولا يهمني هنا ما يعتبره البعض هو الجوهر أي التجييش الديني، والتجييش المضاد إلا كدليل على الغربة).

وهذا يعني أنه في غياب حل شرعي اختارت "إسرائيل" أن تبقى قلعة حصينة خلف جدار حديدي، تعيش على قوة الردع من جهة، وعلى الخلافات العربية العربية من جهة أخرى... وتتضمن هذه الخلافات تسويات "إسرائيلية" - عربية طبعاً، فطريق الصراع المستديم الذي اختارته الدولة الصليبية كان مرصوفاً بالتسويات.

هذا ظرف مستديم. ويصح حتى الآن أنه خيار عميق الجذور في الرأي العام "الإسرائيلي"، وأنه يستند إلى عناصر قوة راهنة توفرها علاقة مشوهة وغير صحية مع الولايات المتحدة ليس لها مثيل بين الدول. ولا يبدو في الأفق قبول "إسرائيلي" لأحد الحلين: "حل الدولة الواحدة"، أو "حل الدولتين". ويفترض أن يتوقع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وضعاً لا يمكن فيه تحقيق الحقوق، ومع ذلك لا يجوز التنازل عنها، ويتوجب فيه رفض التسويات غير العادلة، ولكن إلى جانب رفض التسويات وإغلاق باب التسوية غير العادلة، يجب أن يطرح برنامج ديمقراطي ثابت للحل لليهود والعرب في إطار تصور للمنطقة العربية كلها. وهذا يعني الحياة والتطور والمحافظة على سبل العيش فلسطينياً ومقاومة الحقائق "الإسرائيلية" الجاهزة على الأرض. وهي مقاومة تنجز مكاسب جزئية ومهمة، وتمنع تحول الحالة الكولونيالية الى حالة طبيعية. ولكن التراكم على المدى البعيد هو في التحدي الإقليمي العربي ومن ضمنه الفلسطيني ل"إسرائيل"، وتحديث الدول والمجتمعات والاقتصاديات العربية، واستكمال عوامل الصمود والبناء بما فيها مهام التنمية والديمقراطية وقوة الردع.

إن تمت التسوية أم لم تتم، سوف يجري كل هذا في ظل رفض عربي لقبول "إسرائيل"، جزئياً على المستوى الرسمي وكلياً على مستوى الرأي العام العربي.

هذا صراع طويل يجب أن يدار بالإيقاع الصحيح. وليس الزمن فيه لصالح "إسرائيل" بل لصالح من يحسن استغلاله. هذا هو أحد أهم المغازي من الستين عاماً الفائتة.


المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام عن صحيفة الخليج

الاثنين، 17 مارس 2008

ارض الشناقطة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجمهورية الإسلامية الموريتانية هي أقصى دولة في الجناح الغربي من العالم العربي، طالعة إلى الحداثة من عمق الأصالة، عروبتها متجذرة في لسان حالها، بلد المليون شاعر، وآلاف المخطوطات النفيسة، وواحة من الفصاحة والبلاغة، تزيدها بهاء وجمالا فطرة أهلها المجبولة على الضيافة الاصيلة والكرم المتوارث والتقاليد والتراث فائقي الغنى والدلالة والجمال. على شاطئها الاطلسي الغربي تتحدث الرمال عن صفاء وسكينة، وفي اعماق أطلسها كنوز من الرزق الوفير، وفي عمق صحرائها خيمة توقد نارها: اهلا وسهلا بالضيف، وكما هو في الغابر التليد.. يتجدد الحاضر السعيد في مزيج من الاصالة والحداثة تتحدث عنه موريتانيا، بلاد شنقيط مع فنجان من الشاي الأخضر واوراق النعناع، يرتشفها الزائر محلاة بحسن وفادة المضيف.. سواء بسواء.. خيمة في الصحراء او بيت صديق.. او حتى على مركب صيد.. الشاي حاضر دائما. المعلومات الأساسية المساحة: مليون و 30 الفا و700 كم2 عدد السكان: نحو 3 ملايين نسمة. العاصمة: انواكشوط. اهم المدن: نواذيبو، أكجوجيت، أتار، شنقيط، ولاّته، كائيدي، تيجكجة. اللغة الرسمية: العربية. اليوم الوطني: 28 نوفمبر. الاستقلال: 1960. التقسيم الاداري: 12 ولاية اضافة الى العاصمة انواكشوط، والولايات هي: النعمة، العيون، كيفة، كيهيدي، الاك، روصو، أطار، نواذيبو، تجكجة، سيلي بابي، أزويرات، اكجوجت. الرمز الكودي: Mr


خريطة موريتانيا




علم موريتانيا




الـمـــــــنــــاخ:


صحراوي حار وجاف ودرجات الحرارة في الشتاء تتراوح بين 12 - 28 درجة مئوية و 27 - 42 صيفاً . نبذة جغرافية تقع موريتانيا عند تقاطع خط العرض 20 شمالا وخط الطول 12 غربا في الجزء الغربي الاقصى من الشمال الافريقي العربي، على شواطئ المحيط الاطلسي الذي يحدها غربا فيما تحدها المغرب شمالا والجزائر من الشمال الشرقي، وتحدها مالي شرقا ومن الجنوب تحدها مالي والسنغال. أرضها عبارة عن صحراء واسعة تتخللها بعض الواحات الخصبة وعدد من التلال وبخاصة في الغرب، أعلاها تلة كدّية الجبل البالغ ارتفاعها 915مترا. وتشكل الاراضي القابلة للزراعة 38% من موريتانيا والغابات 4% وبقية مساحتها صحراوية تنبت فيها النباتات والاعشاب الصحراوية وفي واحاتها الخصبة تزرع الذرة والنخيل. وتربى فيها الماشية على نطاق واسع. نبذة تاريخية تعود بعض المكتشفات الآثارية في موريتانيا إلى الألف الخامس قبل الميلاد مما يشير الى وجود نشاط انساني آنذاك في تلك المنطقة. أما بدايات دخولها العصر العربي والاسلامي فقد كانت مع وصول النفوذ العربي في شمال افريقيا الى هذه البلاد. نتيجة الفتوحات التي شهدتها منطقة المغرب العربي في القرن الثامن الميلادي وقد سيطرت قبائل بني حسان على البلاد بأكملها في نهاية القرن السابع عشر. وقد بدأ التغلغل الفرنسي في موريتانيا التي كانت تعرف باسم «شنقيط» في عام 1902 إلى ان حصلت البلاد على استقلالها في 28 نوفمبر 1960م. موريتانيا.. ثقافة وشعر وفنون دخلت جميع مكونات الشعب الموريتاني العرقية من عرب وزنوج ( فولان، سوانك، ولوف) في دين الله افواجا منذ اكثر من الف عام وحسن إسلامهم واستطاعوا ان يبنوا حضارة زاهرة ورائعة بصورة استثنائية. كما تمكنوا بإشعاعهم الفكري وجهادهم المادي والروحي من نشر الإسلام في اصقاع واسعة من غرب افريقيا ووراء ذلك. وتزخر موريتانيا بآلاف المخطوطات التي استنسخها او ألفها موريتانيون. وقد ا شتهر علماء البلاد المعروفون بالشناقطة بسعة باعهم في العلوم الشرعية وفي اللغة والنحو والسيرة. كما شرح الموريتانيون آثارا عربية خالدة كثيرة كأشعار مشاهير الشعراء الجاهليين والمراجع الأساسية في السير النبوية والمعاجم ومجاميع الحديث.. وتعتبر المحاظر الموريتانية، تلك الجامعات البدوية الحقيقية أعلى نموذج للحياة العقلية في جميع المناطق العربية على امتداد البسيطة. ويعتبر الشعر الموريتاني الملحون (باللهجة الحسانية) نموذجا متميزا في الابداع والأصالة والثراء. كما توجد اشعار شعبية بلهجات اخرى كالبولارية الى جانب الشعر العربي الفصيح. وقد طورت مختلف مكونات الشعب الموريتاني من عرب وزنوج فنونا موسيقية بينها من القواسم المشتركة ما يجعلها تبدو كالتوائم (خاصة من حيث المقامات والآلات) إلا ان «الهول» البيظاني يتميز بأنه فن كلاسيكي مقنن بصرامة شديدة. يوجد معمار عالي الصياغة في المدن القديمة بآدرار والحوض الشرقي وتكانت. وبالمقابل فإن فن الصناعة التقليدية الموريتانية ينتشر على امتداد التراب الوطني وخارج حدود البلاد



صور من موريتانيا












مشاركة يمني

شيئ من التاريخ



طباعة الصفحة إرسال المقال

موريتانيا.. نشأة الدولة

المختار ولد داده

شيخنا ولد محمد الأغظف

با أمادو سامبولي

الحضرمي ولد خطري

محي الدين عميمور

سيد أحمد ولد الدي

محمد العربي المساري

أسعد طه

- استقلال موريتانيا ومعوقات قيام الدولة
- تولي ولد داده أول رئاسة في موريتانيا

- موقف فرنسا والدول المجاورة من نشأة موريتانيا

- الانقلاب ضد ولد داده وتداعياته

أسعد طه: كان من العسير أن يقوم كبلد بمقاييس التاريخ والجغرافيا والسياسة، وعندما قام ترصدته النوائب وأنكر عليه جيرانه الاستقلال والسيادة.

السلام عليكم.

مَرَّ حتى الآن أكثر من نصف قرن على نشأة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وخلال هذه الحقبة أدركت قبائل عديدة كانت تفتتها الصراعات وتفكك أواصرها أن الاستقلال واستنباط أنماط للتعايش أرحم من الاستعمار الفرنسي والتناحر الداخلي.

وخلال ستين عاماً أصبح المجتمع القائم على البداوة يحتكم إلى مبادئ دستور حديث ومجالس منتخبة، وهنا تكمن خصوصية أول جمهورية إسلامية في الوطن العربي، وهي المزاوجة بين الهياكل القديمة ذات الأساس القبائلي العشائري وبين مؤسسات الدولة الحديثة. لم يكن هذا التنافر الميزة الوحيدة لقيام الدولة الموريتانية، بل إن المحيط الدولي والعوامل الخارجية جعلت من ذلك أمراً بالغ الصعوبة، من أطروحات "حزب الاستقلال المغربي" الذي يرى في موريتانيا كياناً مصطنعاً لا جذور له، إلى السنغال الذي بدأ يرى بأن موريتانيا ليست إفريقية بجغرافيتها فحسب بل وبثقافتها أيضاً، مروراً بالجزائر التي شكلت موريتانيا في وقت ما ورقةً مهمةً في حساباتها الاستراتيجية في المنطقة.

إذن وسط محيط إقليمي شديد العداء ووسط تقلبات داخلية ما انفكت تشدها إلى الخلف كان على النخب الموريتانية أن تدرك معوقات قيام الدولة حتى تتجاوزها. على أن العودة إلى حقبة قيام الدولة الموريتانية بشكلها الحالي لا تخلو من التناقض في رواية ما حف بالتحرك الوطني من أجل الاستقلال، ثم بالنخبة التي تسلمت مقاليد الحكم. ومهما يكن من أمر فإن الموريتانيين ممن شهدوا الاستقلال أوائل الستينات لا يذكرون هذه الحقبة كما تذكرها سائر الشعوب التي عرفت الاحتلال.

استقلال موريتانيا ومعوقات قيام الدولة

شاهد عيان (1): كانت الناس تتحدث عن هاي الاستقلال والعاصمة وهو أن الإدارة ولا ندري ما أي إدارة ستتحول من (سان لوي) والسنغالية إلى نواكشوط، ومفهومنا للاستقلال آنذاك أنه سيجري حدث هام لكنا لا نعرف معناه بالضبط ولا نعرف ماذا سيكون ولا ماذا سيجري.

شاهد عيان (2): اليوم اللي قبل الاستقلال جينا صباحاً من (سيبي) وبدأت التحضريات وفي ذاك الوقت وصلت وفود، وفود يعني الشخصيات الوطنية من داخل البلد، تواجدت كلها في نواكشوط والمدعوين الأجانب، وكان اليوم قبل استقلالها تحضير، ولما كان انتصاف الليل أتذكر أن أعلن الاستقلال.

شاهد عيان (3): مساء 27 بدأت الاحتفالات وجرت.. وجرت مراسم الاستقلال في.. في كوخ جدرانه من الأسمنت، وسقفه الذي يلي الناس من قماش أخضر حريري معصأ من لون العلم الوطني وبألوان أخرى صفراء. أما عن 28 نوفمبر فقد عشته في نواكشوط قادماً من أجل نفس الغرض من مدينة (سان لوي) السنغال قادماً في موكب من السيارات أعتقد أن الحكومة الموريتانية استعارته آنذاك، ومن سيارات D.S خصوصاً، استعارته آنذاك لتنظيم الاحتفال في نواكشوط. ولم يكن هناك طريق مُعبد من (سان لوي) إلى نواكشوط.

شاهد (1): أتذكر أن مسؤولاً كبيراً جاء إلى نواكشوط، وكنا نقول أنه يبحث عن مكان سيجعل فيه مدينة، وهذه المدينة علمت بعده أنها ستكون العاصمة، لأن سنتان قبل ذلك لم يكن هناك شيء في نواكشوط يسمى مدينة، كانت هناك قرية صغيرة، كل دورها من التبن، لا أذكر أن هناك بيتاً من الأسمنت، لأني كنت أسكن في دار (ترجمان) وكان يجب أن تكون من أرقى المنازل، قلت لك أنها بيتين من التبن البسيط حتى دار الحاكم الفرنسي آنذاك، وأنا لأني كنت أسكن في دار الترجمان أتذكر جميع الموظفين الذين كانوا يحيطون بالإدارة الفرنسية وأسماءهم حتى الآن، وكانت الناس في البادية -آنذاك- يتحدثون عن هاي الأمل العظيم الذين لهم صلات بالإدارة تراجم.. عندهم تراجم أو موظفين أو مدرسين يفهمون..، أما الناس الذين يعيشون في الأرياف لا يفهمون شيئاً عن هذا.

أسعد طه: يبدو أن دهشة الموريتانيين أمام قيام دولتهم لا تستند في الواقع إلى حقيقة أن الاستعمار الفرنسي كان مهيمناً على المجتمع هيمنة تامة كما هو الحال في مستعمراته الأخرى، بل إلى غرابة هذا المفهوم الدخيل وهو "الدولة المستقلة" على مجتمع بدوي تنتظم حول القبيلة والعشيرة، وهذا ما يجمع عليه مختلف الباحثين والمهتمين بشؤون هذه البقعة من العالم.

أحمد بابا مسكي (مثقف وجامعي موريتاني): موريتانيا يعني طبعً تتكون من قبائل، لكن أيضاً من طبقات، القبائل نفسها كانت طبقات كل قبيلة كانت طبقة إلى حد ما، والطبقات القائدة كانت.. للمجتمع الموريتاني كانت أغلبيتها موالية للحزب اللي يتعاون مع.. مع الإدارة الاستعمارية، لأنه لم يكن فهموا أن الوقت حان لتغيير الأمور وللتخلص من المستعمر.

ماربيلادي بوفي (باحثة في شؤون موريتانيا): كان شيوخ القبائل يعتقدون أن الخروج من حلقة العنف المتواصل بين القبائل يمر حتماً عبر الإشراف الأجنبي، وتحديداً الاستعمار الفرنسي، وعليه فقد كان هؤلاء الشيوخ ليس في (تريزا) وحسب بل وفي وسط موريتانيا بصفة عامة يقولون: "إن السبيل الوحيد لإحلال السلام في البلاد هو القبول بالمحتل الفرنسي".

أحمد بابا مسيكي: هناك ازدواج غريب وتناقضات أيضاً قوية لم تظهر في البداية، لأن النخبة التي كانت تقود البلاد منذ الاستقلال وحتى ما قبل الاستقلال كانت في أغلبيتها الساحقة تمثل هذه القيادات الطبيعية، أي شيوخ القبايل أو الوجهاء في القبايل أو في المجتمع أيضاً الغير عربي، لكنه تقريباً نظامه مثل نظام القبايل.

ماربيلادي بوفي: اتسمت سياسات الرئيس (المختار ولد دادة) منذ البداية بالرغبة في إقامة نظام سياسي يوحد الاتجاهات كلها في البلاد، على أن هذه الوحدة لا تتحقق إلا بإنكار وجود الأقليات العرقية، وعليه فإن الشعب الموريتاني واحد ولا وجود للانتماء القبلي، لأن القبائل بالنسبة إليه لا تعني غير الفوضى والتخلف. إنها الطريقة الغربية في الحكم على واقع الأمور في مثل هذه المناطق الصحراوية وفي موريتانيا تحديداً.

وبما أن المختار نفسه ينتمي إلى إحدى هذه القبائل فإنه أدرك -دون شك- أن هناك تناقضاً صارخاً بين النظام السياسي الذي كان يرغب فيه إرسائه في موريتانيا وواقع المجتمع، إذ أن الانتماء إلى جهة ما دون أخرى أو قبيلة ما دون أخرى يمثل إحدى أهم خصوصيات موريتانيا.

أحمد بابا مسكي: كانت طبيعة النظام الحديث.. النظام السياسي الحديث الذي أدخله المستعمر تتغلب شيئاً فشيئاً على الطبيعة التقليدية الطبيعية، إذا أمكننا القول، وكنا نرى هذا يعني كان الشباب والنخبة المتنورة ترى تقدم كبير في هذا وطبيعي، إلى حد أنه كثير من الشباب كان يرفض.. كان يرفض مقومات المجتمع التقليدي كأشياء متخلفة تجاوزها التاريخ، وهذا -إلى حد ما- شيء صحيح، لكن في نفس الوقت شيء أيضاً غريب وصعب، عليه كان أن يستمر بشكل إيجابي، لأن المجتمع بقي غائباً تماماً عن الصورة.

[ضيوف البرنامج]

أسعد طه:

*با أمادو سامبولي، كان وزيراً للإعمار والصناعة في أواخر الخمسينات ثم وزيراً للمالية حتى عام 1963م، من عائلة أرستقراطية من الزنوج الأفارقة.

*محمدن ولد باباه، أحد أول الجامعيين الموريتانيين، كان من أكثر الشباب ارتباطاً بالمختار ولد داده، تقلد وظائف في حزب الشعب الحاكم أوائل الستينات وعمل أيضاً وزيراً للتعليم.

*الحظرمي ولد خطري، تلقى تعليماً فرنسياً وعمل ترجماناً، كان من أبرز مناضلي ثم أطر "حزب الوفاق" الذي أسسه حرمة ولد بابانه.

*إعلي ولد علاف، كان من الطلاب الموريتانيين الذين تربطهم علاقة مميزة مع المختار ولد داده، عمل وزيراً للإعلام والمواصلات ثم وزيراً للتعليم.

*سيد أحمد ولد الدي، عمل وزيراً للشباب والرياضة حتى نهاية حكم المختار ولد *داده، كان من أبرز المثقفين الموريتانيين المتعربين.

*شيخنا ولد محمد الأغظف، عمل وزيراً في الحكومة الانتقالية أواخر الخمسينات، أسندت إليه مهمة التحضير للاستقلال والدفاع عنه في الخارج. اختلف مع المختار في بداية السبعينات وكان منسقاً للجناح المدني الذي قاد الانقلاب على المختار.

*مصطفى ولد بدر الدين، تأثر بالفكر القومي وكان من أوائل الناصريين في موريتانيا قضى أغلب فترة حكم ولد داده في السجن أو مختبئاً.

*محمد العربي المساري كان في الستينات يُعد برنامج (صوت الصحراء) وهو البرنامج الذي يمثل دعاية المغرب بشأن مطالبها في موريتانيا، كما كان مسؤولاً عن صحافة حزب "الاستقلال".

*الطاهر بلخوجة، أول سفير للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة إلى عدد من الدول الأفريقية ومنها موريتانيا منذ أوائل الستينات.

*محيي الدين عميمور، كان مستشاراً إعلامياً للرئيس الجزائري السابق الهواري بومدين) ويمثل الجناح المتصلب في السلطة آنذاك، ومن الرافضين لأي تحالف بين المملكة المغربية وموريتانيا خصوصاً بشأن الصحراء.

منذ بداية القرن التاسع عشر تحول اهتمام الاستعمار الفرنسي إلى شمال نهر السنغال في زمن كانت فيه الكلمة للتناحر القبلي، وكان من اليسير إقناع زعماء القبائل بقبول الإشراف الفرنسي أو الحماية الفرنسية، غير أن فرنسا لم تستكمل احتلالها لما كانت تسميه "أرض الموريين" إلا قبل الحرب العالمية الثانية، ولا يختلف المؤرخون في تفسير أسباب ذلك، معنى هذا أنه لم يكن ثمة استعمار فرنسي بقدر ما كانت فرنسا مضطرة إلى وضع اليد على منطقة مجاورة لمستعمرات أكثر أهمية، أي شمال أفريقيا الفرنسي وأفريقيا الغربية الفرنسية.

محمدن ولد باباه (وزير سابق خلال حكم المختار ولد داده): فرنسا عندما نطالع المنشورات والكتب المكتوبة عن موريتانيا في تلك الظروف تقول -بكل صراحة- أنها لم تأتِ إلى هذا الإقليم لاستعماره بمعنى الاستعمار أي الاستيطان والاستثمار، لأنها صحاري قاحلة، وأنها غير مأهولة حكماً، لكنها مصدر قلق لهم سواءٌ للشمال، سواء للجنوب.

سيد أحمد ولد الدي (وزير سابق خلال حكم المختار ولد داده): كانت القبائل الموريتانية والإمارات الموريتانية على صلة كبيرة بالسنغاليين، وكان هذا يعكر -إلى حد كبير- الاستعمار.. الفكرة الاستعمارية والسيطرة الاستعمارية في السنغال.

مصطفى ولد بدر الدين (من أبرز معارضي الرئيس السابق ولد داده): كان يعتبرونها -من حيث الأساس- صلةً بين الشمال الأفريقي وأفريقيا السوداء، ولكن لم يكن يتخذون منها مقراً يريدونه أبدياً، وذلك واضح في الآثار التي تركوها.

سيد أحمد ولد الدي: إذا نظرنا إلى حصيلة المنجزات الفرنسية في موريتانيا نكاد نجدها صفراً، فهذا يعضد أنها لم تكن تريدها مستعمرة إعمار بقدر ما كانت تريدها منطقة هادئة.

محمدن ولد باباه: كانت فيه مشاريع حول الصحراء تهم الفرنسيين لأنها أصبحت تكتشف ما تحتضنه هذه الأرض القاحلة من المعادن ومن المواد التي تريد فرنسا أن تستفيد منها فيما بعد مثل (..) ومن الفوسفات.. "الصحراء" ومن الحديد.. "الزبيرات" إلى آخره.

أسعد طه: أدركت فرنسا تمام الإدراك أن عليها أن تتخلى عن السيادة الكاملة على بعض المستعمرات، خاصةً وأن الحرب العالمية الثانية قد أنهكتها، وبدا لها أن المرحلة الأولى في هذا المسار تكمن في انتخاب ممثلين عن المستعمرات في البرلمان الفرنسي، كان انتخاب (حرمة ولد بابانه) -المدعوم من الاشتراكيين السنغاليين، وعلى وجه الخصوص من قبل الرئيس السنجالي السابق (سنجور)- مثار خلاف، خصوصاً حول ولاءات هذا السياسي العصامي، وتحديداً تجاه المملكة المغربية.

سيد أحمد ولد الدي: أعتقد أن (حرمة) كان على وعي كبير بصعوبة إنشاء دولة موريتانية، وكان على رغبة كبيرة بتخليص موريتانيا من نير الاستعمار الفرنسي.

محمدن ولد باباه: حرمة كان رجلاً مستقلاً، جرئ، وشجاع، وبدأ يتكلم باسم العروبة، باسم الإسلام، وبدأ أيضاً يعد الجو لحركة وطنية في هذا البلد.

سيد أحمد ولد الدي: أدى به اجتهاده في ذلك الوقت إلى أن يعتقد أن المخلص لموريتانيا، المخلص الوحيد لموريتانيا من الاستعمار هو انضمامها إلى المغرب.

با أمادو سامبولي (وزير سابق في الحكومة الانتقالية وبعد الاستقلال): ناضلنا طويلاً سوياً داخل حزب "التفاهم" ولم ألمس في أفكاره ما يشير إلى هذا التوجه.

مصطفى ولد بدر الدين: حرمة ولد بابه لم يكن فقط يمثل معارضة الاستعمار الفرنسي، ولكنه أيضاً كان يمثل مطامح المستضعفين في موريتانيا.

سيد أحمد ولد الدي: اختلاف المشارب، اختلاف القبايل، كثرة النعرات بين هاي القبايل كثرة النعرات في داخل القبيلة الواحدة، كل هذا جعل الموريتانيا.. كل هذه التيارات وكل هاي الحساسيات تجتهد في إقامة كيان موريتاني، إما مستند إلى المغرب، وإما مستند إلى "فيدرالية مالي" في ذلك الوقت وهي "السنغال ومالي"، وهو تقسيم.. حتى هنالك كان من يدعو إلى تقسيم موريتانيا، جزء يُضم إلى المغرب، وجزء يُضم إلى الدول المجاورة في الجنوب.

تولي ولد داده أول رئاسة في موريتانيا

أسعد طه: هكذا إذن بدا أن القناعة قائمة لدى الكثيرين أن قيام دولة موريتانية ليس بالأمر الهين، وعليه فإن الانضمام إلى هذا الطرف أو ذاك يشكل الضمان الوحيد للتخلص من المستعمر الفرنسي. وانقسم الموريتانيون على أنفسهم أمام تبني الملك (محمد الخامس) لطرح زعيم حزب الاستقلال (علال الفاسي) بشأن تبعية موريتانية للمكلة المغربية. وأضحى حلم الانضمام إلى المملكة يراود البعض منهم من أمثال (حرمة ولد بابانه) وحزبه "الوفاق الموريتاني"، وتحديداً بعد الهزيمة التي تكبدها ولد بابانه في الانتخابات التشريعية لعام 56 أمام (سيدي مختار نداي). وفي الوقت الذي كانت فيه موريتانيا على أهبة الحصول على استقلالها يزداد وضع النخبة تفككاً بعد أن سافر حرمة ولد بابانه إلى المملكة، وتضامن معه في العام 58 اثنان من الوزراء.

با أمادو سامبولي: تم تعييني في الحكومة في يناير عام 58، وفي أوائل فبراير كان علينا أن نشارك في مؤتمر يعني بالسياحة في موريتانيا، وفي أثناء ذلك كلف الدي بمهمة في فرنسا، انتقلنا معاً إلى (داكار) وفي المطار أدلى بتصريح لا يُستشف منه أنه يعتزم الذهاب إلى المملكة المغربية، غير أننا اكتشفنا فيما بعد أنه في المملكة مع حرمة ولد بابانه والأمير ولد عُمير.

محمدن ولد باباه: هؤلاء الوزراء خاصة الأمير محمد بابه والأمير محمد المختار كانوا يناضلون حقيقة من أجل استقلال موريتانيا، لا من أجل الانضمام إلى المغرب، بينما الدي ولد سيدي بابه وأحمد ولد حرمة.. في النهاية كانوا يناضلون من أجل الانضمام للمغرب، وكانوا يقعون تحت نفوذ علال الفاسي المباشر.

مصطفى ولد بدر الدين: فعلاً هؤلاء لجؤوا إلى المغرب في البداية، لكي يستعينوا به ضد الاحتلال الفرنسي، ولكنهم هناك اصطدموا بنظرة المغرب تجاه موريتانيا، وهو أن المغرب آنذاك.. وهي أن المغرب آنذاك يعتبر موريتانيا جزءاً لا يتجزأ منه. وكان عليه أن يختاروا.

محمد العربي المساري (مكلف بإعلام في حزب الاستغلال المغربي): اعتبرنا وجود هؤلاء التلاتة تأكيداً للشعارات التحررية التي كان ينفرد بها المغرب من بين قلةٍ من الدول المناهضة للاستعمار التي اجتمعت في مثل هذا الوقت منذ أربعين سنة في الدار البيضاء لتأسيس جبهة إفريقية معادية للاستعمار.

محمدن ولد باباه: كم من مرة المغاربة يقولون لنا فيكم الجماعات اللي جاءتنا على نوعين: نوع جاء للدفاع عن استقلال موريتانيا، ونوع جاء لينضم وليكون من رعايا الملك، وليكون.. وليكونوا مواطنين مخلصين للمغرب.

أسعد طه: طال الاختلاف أسباب اختيار السلطات الفرنسية للمحامي الشاب المختار ولد داده لتشكيل أول حكومة حكم ذاتي تمهيداً للاستقلال التام. والحق أن ولد داده انتصر لتحالف القوى السياسية بعد أن دعى في مايو من العام 58 إلى مؤتمر وحدة وطنية، وأنشأ على إثره حزب التجمع الموريتاني. وبعيداً عن الاختلافات الأيدولوجية علينا أن نذكر في هذا السياق أن الانتماء القبلي يعد أمراً بالغ الأهمية في تحديد الرتب الاجتماعية في هذا البلد، ولم يكن المجال السياسي لينأى عن هذا الاعتبار. ولد داده ينتمي إلى قبيلة (أولاد بياري) وإلى عائلة الشيخ (سيديه) ووجد في بعض قبائل (البيضان) المتحالفة مع قبيلته دعماً كبيراً، غير أن عائلته لا تحتل مرتبةً رفيعةً ضمن التراتب القبلي. ولكن هل كان مجال الاختيار ضيقاً أمام السلطات الفرنسية؟ وهل كان المختار يمثل كل الاتجاهات في البلاد؟

مصطفى ولد بدر الدين: أعتقد أن الاختيار كان واضحاً، أولاً: كان هناك.. كانت هناك الجماعة الموالية لفرنسا، لم تكن لتستطيع أن تتفق على شخص منها، كان الأمراء والوجهاء متخاصمين فيما بينهم، ولم يكونوا يقبلوا أن يكون من بينهم من يقود موريتانيا.

محمدن ولد باباه: لا شك أن القوة الوطنية آنذاك بما فيها سيدي المختار ولد (حجاج) وبما فيه الأطر، وبما فيه الشباب، وبما فيه الطلاب، وبما فيه النقابات، لا شك أنها اتفقت أن المختار هو رجل الساعة، وعليه فرنسا يمكن أن تكون ساعدته ولكن صادفت توجه من القوى الحية السياسية في موريتانيا إلى اختيار هذا الرجل.

إعلي ولد علاف (دبلوماسي وزير سابق): لا أظن أن فيه تمثيل حقيقي بالمفهوم الديمقراطي للتمثيل، في الحقيقة هو كان الهدف المطلوب هو إنسان في قدرته جمع مصالح.. مكونات الشعب الموريتاني.

مصطفى ولد بدر الدين: كان المختار ولد داده شخصاً في ذلك التاريخ يتميز بعدم البُعد القاعدي من حيث القاعدة، كان مجرد موظف فرنسي وكان طالباً، ولم يكن له بعد اجتماعي كبير، وبالتالي رأت فيه فرنسا عنصر وسط يمكن للوجهاء التقليديين أن يقبلوا به.

الحظرمي ولد خطري (دبلوماسي وزير سابق): في ذلك والوقت كان يمثل.. يمثل حساسيات لأنه هو الداعي الوحيد للتكتل السياسي، هذه حقيقة شيء يعترف له به، أعتقد للأمانة أنه هو وحده اللي كان آنذاك بده يترشح وبده يرشح كان ثم عنده مصداقية للترشيح لأنه كان صادق في تكتلاته، وكان هم اللي يغاروا منه أنه عنده نزعة وطنية.

شيخنا ولد محمد الأغظف (أول وزير للخارجية الموريتانية): المختار الجيل اللي كان مع معاه الاستقلال، جيل متعارف. وهو.. نظراً لأنهم حتى مدرسة واحدة، مدرسة (إسلامية) هاي وتقرا بالعربية والفرنسية، وكان يقال لها هيك (الساعة) مدرسة الشيوخ والوجهاء.

با أمادوا سامبولي: عندما وحدنا الأحزاب في أواخر الخمسينات وبداية الستينات ظن الجميع أن المختار يمثل كل طبقات المجتمع الموريتاني، بعد ذلك اعترضنا في أحيان كثيرة على سياسة ولد داده، خصوصاً أنه لم يكن يستشير معاونيه، ولم يكن يأخذ بآراء معارضية.

موقف فرنسا والدول المجاورة من نشأة موريتانيا

أسعد طه: كان على الدولة الناشئة أن تواجه أمراً بالغ الخطورة خلال الخمسينات وحتى بعد الاستقلال التام، وهو إصرار المملكة المغربية على ارتباط موريتانيا بها وفق أطروحات علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال منذ بداية العام 53. وكانت مهمة جيش التحرير الذي أنشأته المملكة هي تحرير بلاد (الشيقيت) أي موريتانيا، وتحريرها يعني إعادتها إلى المملكة.

محمد ولد باباه: لأن المطالبة الموريتانية كانت.. كانت بند أساسي من الأيدولوجية الفاسية.. حزب الاستقلال، ولا أعتقد أنها كانت قناعة من العرش. وإذا رجعنا إلى الوثائق نرى (الحسن الثاني) 58 وهو ولي العهد يُصرح لجريدة "اللومند" أنه ليس في إمكان المغرب ولا من مصلحته ضم موريتانيا إليه.

محمد العربي المساري: رافع في هذا الشعار كان هو زعيم التحرير المغفور له علال الفاسي، وكانت قيادة الحزب.. حزب الاستقلال في ذلك الوقت معه في هذا الطرح. ولكن بعد الانفصال الذي حدث في الحزب في 59 بدأت بعض المقاربات المختلفة تظهر في هذا الموضوع، ولكن ظل الطرح الذي كان ينادي به هو طرح الدولة المغربية بكاملها.

الطاهر بلخوجة (أول سفير لتونس في موريتانيا): أتى ولد العهد محمد.. الحسن الثاني وكان حسن أما كان ولي العهد كان ولي عهد، وكان محملاً برسالة خاصة من أبيه (محمد الخامس) في ذلك الوقت الملك محمد الخامس، قال آخر أمر إلى بورقيبة أن لا تفهم المغرب ولا يفهم محمد الخامس كيف لا.. لا تساعد بصفة آلية تونس المغرب، ولا توافق بصفة آلية على كل مطالب المغرب، لأن الشأن كان يكون كذلك من طرف المغرب بالنسبة إلى تونس. قال له بورقيبة: "الموضوع مش هذا، الموضوع موضوع مبدئي، هذي بلاد بيش تخرج منها فرنسا وبيش تاخد استقلالها، إذا ما نكون معاها، على أساس بعدين تعمل اتفاقات معها وترجع بها، ثم فرنسا لا تعطيها أبداً إلى المغرب. والواقع أن فرنسا ستطعي الاستقلال عام (..) في.. في.. إلى موريتانيا، ومن الأصل.. ومن الأحسن أن تكون.. أن تكون المغرب سباقة، وتعترف بموريتانيا أول من.. من أول البلدان. لم يقتنع الحسن الثاني، واليوم يمكن القول، وأنا عند الخروج في.. قبل الخروج كان الحسن الثاني يقول إلى بورقيبة: "سيدي الرئيس، أريد أن.. سنستدعيك إلى تناول الشاي المغربي تحت الخيمة في نواكشوط".

محمد العربي المساري: المغرب حينما رفع شعار مغربية موريتانيا لم يكن ضد الشعب الموريتاني. كان هذا الشعار شعاراً تحررياً، بمعنى افتكاك موريتانيا من يد الاستعمار الفرنسي، أما وقد تحررت موريتانيا، واختار أهلها أن يكون لهم كيان مستقل ومنفصل عن المغرب، فكانت لابد من احترام هذه الإرادة.

الحظرمي ولد خطري: وبعد تولي الملك الحسن الثاني للعرش نعرف بأن هذا الأخير ما كان حقيقة حسب ما يقال وحسب ما أرى أنه ما كان حتى مقتنع بضرورة انضمام موريتانيا للمغرب، ما استطاع يعارض والده في حياته، ولكنه يظهر وحسب ما سمعنا أنه كان هو غير مقتنع.

الطاهر بلخوجة: أربعة أيام قبل الاستقلال كلف الحبيب بورقيبة وزيره.. وزير الخارجية (الصادق مقدم) ليصرح علنياً: "بأن تونس تنوي الاعتراف بموريتانياً.

محمدن ولد باباه: وبدأ المسلسل بجهود.. بجهود طبعاً غير معلنة ولكن فعالة من فيصل.. رحمه الله، ومن جمال عبد الناصر طبعاً وبو رقيبة تحصيل حاصل، وبعد استقلال الجزائر طبعاً انضمت لهذا التوجه اللي يعمل من أجل دخول موريتانيا الجامعة العربية.

أسعد طه: وكان على ولد داده أن يحتوي المعارضة حتى يقف موقف القوة في بحثه عن الاعتراف الدولي، وأضحت موريتانيا محل مساومات بين القوى العظمى ولم يكن العالم العربي هو المبادر إلى الاعتراف بموريتانيا باستثناء تونس، وفشلت الدبلوماسية الموريتانية في الظفر بالقبول العربي الكامل خلال ما يربو على العشرية الكاملة بعد استقلالها، على أن المملكة المغربية -أعلنت يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني أي يوم استقلال موريتاني يوم حداد وطني، وعملت على إقصاء هذه الجمهورية الناشئة دولياً- قد انتهت إلى الاعتراف بموريتانيا أواخر الستينات، بل ووقعت معها في حزيران من العام 70 معاهدة للتضامن وحسن الجوار والتعاون. وكغيره من أغلبية الأنظمة السياسية في الدول المجاورة والخارجة لتوها من مرحلة استعمارية قام نظام "الحزب-الدولة" في موريتانيا. وخلال عقدين من الزمان أمسك ولد داده بزمام الحكم وأصابه في ذلك الكثير من عداء الوجهاء التقليديين والخصوم السياسيين، غير أنه نجح في احتواء القوى السياسية الأهم، ولم يفته أن أغلبية المثقفين في البلاد هم من الزنوج الموريتانيين.

مصطفى ولد بدر الدين: تعيين الزنوج في الوظائف آنذاك كان أمراً يفرضه ميزان قوى داخل البلاد، لأن الزنوج آنذاك كانوا وزنهم قوياً، كانوا غداة الاستقلال.. كان من بينهم أغلب الإطارات الموريتانية وأغلب الموظفين الفنيين، كانوا يمسكون بالمالية وكانوا يمسكون بالبريد، وكانوا يمسكون بالصحة.

محمدن ولد باباه: أكثر الأطر آنذاك اللي عندهم كفاءات وتجربة كانوا من الزنوج أكثر من هم العرب، وعليه من المعقول أن توظف الكفاءات لصالح البلد. وفي تلك الظروف كانوا هم.. كانوا الأكثر الأطر يحملون شهادات وكفاءات كانوا من الزنوج. ولكن مختار لم يوفرهم أكثر مما يستحقون فيما أرى.

إعلي ولد علاف: كان فيه اعتقاد سايد عن مختار وعند الكل غير معلن أن الزنوج كل العناصر مجتمعة.. عددهم يكون تقريباً 25% من سكان البلد، وبهيك المناسبة عندهم نصيب في المناصب السياسية مقابل هذا العدد.

با أمادو سامبولي: حتى يتحقق الاستقرار كان من البديهي أن يتم تشريك كل فئات المجتمع في الحكم، وكان من الواجب أن تعكس هياكل الدولة من حكومة وبرلمان وأحزاب هذا الاختلاف داخل المجتمع، وعليه فإني أعتقد أن ولد داده قد عمد إلى هذه التعيينات حتى يضمن هذا التوازن.

أسعد طه: ورغم هذا الجهد من قبل السلطة السياسية كانت المسألة العرقية أمراً بالغ التعقيد، وكان لتعميم اللغة العربية أواسط الستينات أثراً كبيراً في الإجماع الذي بدأ بالتشكل حول حكم ولد دادة، وقام الزنوج ممن يتكلمون (البولارية) و (اللولوف) و (السونوكي) ضد ما سموه بـ "دكتاتورية البيضان"، وعادوا إلى حلم الانضمام إلى السنجال، وبدا لهم مرة أخرى أن ولد داده يستغل اللغة العربية ورقة سياسية، وأن اتجاهه نحو العروبة قد تأكد على حساب الانتماء الأفريقي.

إعلي ولد علاف: (مشيت) وزير التعليم في بداية 66 في الظروف.. ظروف الاضطرابات اللي وقعت في موريتانيا، وبحسب اللي فهمته آنذاك هو أن قرار الحكومة بفرض اللغة العربية في الامتحانات وفي عبور (مكلاس) للوحدة كان غلط، لأن تعليم العربية في مناطق كثيرة من جنوب موريتانيا كان إما مفقود، إما ضئيل جداً.

مصطفى ولد بدر الدين: الذي حدث سنة 1966م فهو مجرد تعميم أصدره وزير التعليم الوطني يقضي بتدريس اللغة العربية في الإعداديات والثانويات، وتدريس.. وتدريس مادة الدين وخصوصاً إعطائها (ضارباً) مع أنها لم.. مع أنها لم يكن لها ضارب فيما قبل. هذا التعميمي أثار حفيظة الطلبة الزنوج وتضامن معهم الأطر، أطر الزنوج الذين التأموا داخل ما سُمي بالـ (19) "جماعة الـ 19" الذين أصدروا بياناً يستنكرون فيه تعميم اللغة العربية بالنسبة لجميع الموريتانيين.

شيخنا ولد محمد الأغظف: شافوا بأنه مصالحهم، كنا أنهم ما قط يقرؤوا بالعربية، وفجأة قال لهم: لا تعودوا، مديورين على كفة واحدة، أنتو وهم، والموريتانيين العرب اللي كانوا من بدايتهم يقرؤوا العربية، وهاي الشيء معقول، معقول على أن هم.. هذا ما يخدم مصلحتهم.

محمدن ولد باباه: عام 64 بمناسبة خطاب طرح به المتكلم إشكالية الثقافة الموريتانية، في نهاية السنة الدراسية بمناسبة حضره الرئيس المختار وسفير فرنسا، من ذلك اليوم بدأت فرنسا تحرك بعض الأوساط، لأني لا أنسى أن المختار عشر سنين بعد ذلك قال لي: عندما انتهى الحفل وخرج معي (دليو) أمرني بأن أعتقلك. فعلاً من ذلك اليوم بدأت المنشورات وبدأ التحرك ولكن هو تحرك.. تحركه اليد الفرنسية.

أسعد طه: بعد ما يربو على العشرين عاماً من الحكم بدأ نجم المختار ولد داده يتهاوى، وتحديداً عندما وقّع مع أسبانيا والمملكة المغربية اتفاق (مدريد) في الرابع عشر من تشرين الثاني من العام 1975م، وهو الاتفاق القاضي بانسحاب أسبانيا من الصحراء الغربية وتقاسمها مع المملكة دون أن يلقي أي من البلدين بالاً إلى مطالب الصحراويين التي تنادي بها جبهة (البوليساريو)، هذه الجبهة التي أعلنت عام 76 قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" وتعلن ما يشبه الحرب على موريتانيا من خلال غارات شنتها على العاصمة (نواكشوط). ولم يفلح الاتفاق الموريتاني-المغربي والدعم العسكري الفرنسي في ردم الهوة التي نشأت بين جبهة البوليساريو -المدعومة من النظام الجزائري- وبين موريتانيا التي بات الحكم فيها عاجزاً عن التعامل مع مسألة الصحراء الغربية، بعد أن صارت محل أخذ ورد بين الملك (الحسن الثاني) والرئيس الجزائري (هواري بو مدين).

سيد أحمد ولد الدي: عندما اتفق.. اتفق الموريتانيون الذين كانوا يطالبون بالصحراء منذ سنة 57 والمغرب الذي كان يطالب بها ويطالب بموريتانيا معها، عندما اتفقوا على تقاسم الصحراء كان تصور السلطات الموريتانية في ذلك الوقت أن المشكلة محلوله، ولكن دخل.. دخلت الجزائر على الخط.

محيي الدين عميمور (المستشار الإعلامي للرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين): أساس الصراع -إن صح التعبير- هو أننا في الجزائر لا نؤمن بالحقوق التاريخية لأي فرد على الإطلاق. نؤمن بأن هناك دولاً قائمة أخذت شرعيتها طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، وهناك مناطق تسعى للاستقلال، وهذه المناطق من حقها أن تقرر مصيرها بنفسها، ومن حقها بالطبع أن تطلب الانضمام لمن تريد دون أن يفرض عليها أي شيء على الإطلاق. هذا هو المنطق الذي سارت عليه الجزائر منذ ثورتها، بل أقول قبل ذلك.

محمدن ولد باباه: المختار قبل مبدأ التقسيم على أساس تفويض من بومدين قال له يوم مؤتمر تأسيس.. المؤتمر الإسلامي في الرباط وهذا مُسجل -وهو عندكم هون في الإذاعة- قال له هو والحسن الثاني: "كل ما اتفقتما عليه فأنا أباركه". والمختار أعتقد أنه لو لم تكن له هذه الإشارة، إشارة الضوء الأخضر، لم يُقدم على ما قَدِم عليه، لأن علاقته ببومدين كانت وطيدة.

الحظرمي ولد خطري: المختار كان يتفاهم مع بو مدين حتى بسبب ربما يعود خلافه مع المغرب، وكانت الجزائر هي من تخطط دائماً لأنها تكتسح.. تأخذ معها موريتانيا كحليف لمثلاً خشية التواصل بينها هي والمغرب في المنطقة، وإن شاء الله إن حرب الصحراء هي عادت السبب في.. في الخلاف اللي ظهر بين مختار و بومدين.

محيي الدين عميمور: هناك من كان يقول أن الجزائر تحاول إضعاف جيرانها بهذا. أنا قلت: أننا ضد نظرية الحقوق التاريخية أولاً، نؤمن بالحدود الموروثة وبضرورة احترامها، ونؤمن بأن من واجبنا أن ندعم قوة جيراننا، هذا ليس عملاً طوباوياً أو مجرد حب في الجيران. لكننا نرى أن الجار القوي التعامل معه سهل جداً، الجار الضعيف يضعك في موضع الابتزاز، إن أعطيته ما استرحت، إن منعته ما استرحت.

سيد أحمد ولد الدي: الجزاير لم.. لم تكن ترغب في أن تدخل حرب مع موريتانيا، والمرحوم الرئيس بومدين قد زاره المختار ولد داده واجتمعا في (بشَّار) قبل اندلاع الحرب بشهر. وقال المرحوم مدين للرئيس ولد داده إن هذه.. نحن لا نتحدث عن التاريخ قال له: "إن هذه قضية بيني وبين الحسن الثاني، فإذا وقفت هذا الموقف أعتبرك.. أعتبرك في نفس الخط.. في نفس الخندق معه وسأحاربكما معاً، وسأحاربك أنت بالذات".

الانقلاب ضد ولد داده تداعياته

أسعد طه: كان من العسير على الرئيس ولد دادة أن يجاري المناورات السياسية بين المملكة المغربية والجزائر، وأضحى يراوح في ولاءاته بين هذا وذاك وفقاً لما تمليه الظروف، وفي العاشر من شهر يوليو/تموز من العام 87 اجتمع الضباط بقيادة الكولونيل (مصطفى ولد محمد سالك) على إبعاد ولد داده عن الحكم وإقامة مجلس عسكري سُمي بـ "اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني".

والحق أن العديد من الأطراف في الداخل والخارج قد أصبحت تمتعض من وجود ولد داده في الحكم، ولعل هذا ما شرع الاختلاف في تحديد الأدوار بشأن هذا الانقلاب.

شيخنا ولد محمد الأغضف: أسبابه ظاهرة هو حرب الصحراء، موقف موريتانيا ما كان.. حقيقة.. ما تم فيه انسجام حقيقي بين موريتانيا والمغرب.

سيد أحمد ولد الدي: لم يكن لنا أي علم بتحضير انقلاب، ويبدو أن الرئيس قد أحيط علماً بحوالي 36 ساعة قبل تنفيذ الانقلاب أحيط به علماً، ولكنه لم يتحرك، لست أدري هل لأنه لم يكن مقتنعاً وأنه هنالك انقلاب، خاصةً بأنه قال لبعض خلصائه بعد الانقلاب إن.. إنه لم.. إن منذ سنة 66 كان من حين لآخر لم تكن تمر أشهر إلا وهناك تقرير من أن هناك انقلاباً كان سيحضر.

مصطفى ولد بدر الدين: جاء إليَّ رجال لا يزالوا موجودين.. لن أسميهم، وقالوا لي: "إن هناك انقلاباً يحضّر ضد المختار ولده داده، نريد منك أن تنضم إليه أنت وجماعتك". قلت لهم: إنني وجماعتي لا نوافق على الانقلابات كطريقة لتغيير الحكم.

سيد أحمد ولد الدي: لا أتصور أن فرنسا كانت تجهل أن هناك انقلاباً يحضر، أولاً: لقوة مخابراتها وخاصة.. خاصة وأن المستشارين العسكريين الفرنسيين في قيادة الجيش وفي مختلف المناطق العسكرية كان لها تواجد.. كان لهم تواجد كبير.

با أمادو سامبولي: عندما يصبح أي حزب في إفريقيا شبيهاً بحزب الشعب الموريتاني في الستينات فإنه يحمل في داخله عناصر إندثاره.

أسعد طه: لم يكن الانقلاب على نظام ولد داده وإقامة نظام آخر بديل نهاية المطاف في متاعب البناء التي عرفتها موريتانيا بل على العكس كان دليلاً على هشاشة هذا البناء، وليس أدلَّ على ذلك من سلسلة الانقلابات العسكرية التي ميزت مرحلة ما بعد ولد داده وتواتر الصراعات العرقية التي امتدت لتشمل دولاً أخرى صارت طرفاً فيها مثل السنغال.

السلام عليكم.


المصدر: الجزيرة
" type="hidden">





المختار ولد داداه يتحدث عن العلامة عبد الله ولد بي

من كلمة السيد الرئيس المختار ولد داداه( أول رئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية ) :

.... وعليه فقد أوصيت منذ تشكيل أول حكومة ضمن القانون الإطاري بأن يكون للشباب الذين تلقوا دراستهم بالعربية دور متميز في المجالين السياسي والإداري وقد اكتشفت لاحقاً واحداً من ابرز ممثلي هؤلاء الشباب وهو عبد الله بن بيه.
كيف ؟ تم ذلك أثناء جولة اتصال في الحوض الشرقي الذي ينحدر منه حيث زرت مدرسة تمبدغة الابتدائية التي كان يعمل فيها مدرساً للغة العربية.
وبمناسبة هذه الزيارة فوجئت بفحوى الخطاب الذي ألقاه بالعربية بطبيعة الحال وعبر الخطاب في نفس الوقت عن سعة معرفته وأصالة ثقافته الوطنية ومدى انفتاحه على العصر.
وشكلت مواضيع الأصالة والانفتاح أحد مقومات السياسة الثقافية لحزب الشعب الموريتاني.
وبعد الاستماع إلى الخطاب الذي أذيع بالكامل ترسخت قناعتي بأن على عبدالله بن بيه - الذي أصبح ذكاؤه وسرعة بديهته واتساع ثقافته معروفين على نطاق واسع - أن يلعب دوراً متميزاً في البناء الوطني وخصوصاً في المجال الثقافي.
ومن هنا جاءت تجربته في الحكومة 1970- 1978- حيث بدأها مفوضاً سامياً للشئون الإسلامية ثم وزيراً للتعليم الأساسي والشئون الدينية ووزيراً للعدل وأخيراً وزير الدولة للتوجيه الوطني. ولدى انقلاب يوليو 1978 كان يتولى منصب وزير مكلف بالأمانة الدائمة للحزب.
وفي جميع الوزارات التي قادها برهن عبد الله بن بيه على الوطنية والجدية والفاعلية والشجاعة رغم صحته الهشة في ذلك الوقت.
وقد أثبت شخصياً أن الدارسين للغة العربية الذين يصفهم من درسوا الفرنسية أنهم "أطر من الفئة الثانية" لا يقلون عنهم شأناً في تولي أسمى مناصب المسئولية الوطنية.

أقوال وحكم



* قال الأحنف بن قيس ( إن عجبت لشيء فعجبي لرجال تنمو أجسامهم وتصغر عقولهم .

* الحق كالزيت يطفو دائما .

* الحقيقية مثل النحلة تحمل في جوفها العسل وفي ذنبها الإبرة .

* لاتتم الاعمال العظيمة بالقوة ولكن بالصبر .

* يسخر من الجروح كل من لا يعرف الألم .

* لماذا الخوف والشمس لاتظلم في ناحية إلا وتضيء في ناحية أخرى ؟

* مهما قدمت للذئب من طعام فانه يظل يحن إلى الغابة .

* قال بسمارك ( العوامل العاطفية توشك إن تكون معدومة الأثر في حلبة السياسة كما هي في ميدان التجارة .

* من رفع نفسه فوق قدرها صارت نفسه محجوبة عن نيل كمالها .

* إذا سئل غيرك فلا تجب فان ذلك استخفاف بالسائل والمسئول .

* قال لونجفلو ( يقدر الإنسان نفسه حسب الاعمال التي يعتقد انه يستطيع إنجازها ولكن العالم يقدره حسب الاعمال التي ينجزها في الواقع .

* قال أفلاطون ( من يأبى اليوم قبول النصيحة التي لاتكلفه شيئا فسوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر ) .

* مصيبة إن تدرس بلا تفكير ومصيبة اكبر إن تفكر بلا دراسة .

* قال فولتير ( ما اظلم الإنسان انه يجد دائما مالا لتعبئة الجيوش وإرسالها إلى الحرب لتقتل الناس ويضن بالمال على الناس لإنقاذهم من الموت .

* إذا لم يكن المال خادمك صار سيدك .

* عندما تنقل عن كاتب واحد يسمى ذلك سرقة أدبية اما عند النقل من عدة كتب يسمى بحث .

* من الأفضل إن تمشى ببطء إلى الامام على إن تمشى مسرعاً إلى الخلف .

* قال ولنجتون ( لو شهدت يوما من ايام الحرب لتوسلت إلى الله إلا يريك ثانية منها ) .

* كلمة الحق تقف دائما في الحلق لأنها كبيرة .

* قال نابليون ( من لا يمارس الفضيلة لاكتساب الشهرة فهو قريب من الرذيلة ) .

* النافذة التي يخرج منها الهواء الفاسد هي نفس النافذة التي تسمح بدخول الهواء الصالح .

* في بعض الأحيان يكون ضعف السمع نعمة عظيمة من الله .

* إذا أهانك شخص فاسكت لان السكوت ابلغ آيات الاحتقار .

* قال لقمان لابنه ( يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر بحسن صمتك ) .

* ثلاثة لاتكون إلا في ثلاثة ( الغنى في النفس ، والشرف في التواضع ، والكرم في التقوى ) .

* عليكم بثلاث : جالسوا الكبراء وخالطوا الحكماء وسائلوا العلماء .

* البلاغة إن تجيب فلا تبطئ وان تصيب فلا تخطئ .

* قال عبدالله بن المقفع ( إذا أسديت جميلا إلى انسان فحذار إن تذكره وان أسدى انسان إليك جميلا فحذار إن تنساه ) .

* قال غاندي ( أنني أكل لأعيش .. لا أعيش لآكل ) .

* إذا فقدت مالك فقد ضاع منك شئ له قيمة وإذا فقدت شرفك فقد ضاع منك شئ لا يقدر بقيمة وإذا فقدت الأمل فقد ضاع منك كل شئ .

* إذا بحثت عن السعادة طويلا فستجدها ولكم كما وجد العجوز نظارته أخر مرة وجدها على انفه .

* لاتجادل أحمق فقد يخطئ المشاهدون التمييز بينكما .

* البعض ينشر السعادة أينما ذهب والبعض الآخر يخلفها وراءه متى ذهب .

* إذا جاءك الطعن من الخلف فهذا يعني انك في المقدمة .

* الأصدقاء بعضهم كالورود اليانعة فيهم نضارة وشباب وبعضهم كالبنفسج فيهم رقة إذا ما قطعوا ذبلوا والبعض الثالث كالزهور البرية ليس لهم رائحة أو طعم .

* إن الحياة جمع وطرح وقسمه : فاجمع أحبابك وأصحابك حولك واطرح من نفسك الأنانية والبخل نحوهم ، وقسم حبك بالتساوي عليهم تصبح عندئذ اسعد انسان .

* قال جبران خليل جبران ( أنت رحوم إذا أعطيت ولكن لاتنس وأنت تعطي – إن تدير وجهك عن الذي تعطيه فلا ترى حياءه عاريا امام عينيك .

* قال عبدالملك بن مروان ( افضل الناس من تواضع عن رفعة وعفا عن قدره وانصف عن قوة ).

* قال بلاتو ( غزو الإنسان لنفسه هو اعظم غزو يحققه الإنسان في حياته ) .

* قال تاجور ( ما اكثر القيود التي تربط الإنسان بالدنيا ولكن أعجبها جميعاً قيد الأمل ) .

* قال براتراند راسل ( الحياة اقصر من إن نقضيها في تسجيل الأخطاء التي ارتكبها غيرنا في حقنا وفي تغذية روح العداء بين الناس ) .

* قال عمر بن عبدالعزيز ( ما قرن شئ إلى شئ احسن من حلم إلى علم ومن عفو إلى مقدرة .

* قال امبروس ( قبل إن يتكلم الرجل الحكيم عليه إن يفكر تماماً فيما يقول وفيمن يستمع إليه وأين ومتى يتكلم .

* أصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة :

فأصدقاؤك : صديقك وصديق صديقك وعدو عدوك .

وأعداؤك : عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك .

* قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ( ما كانت الدنيا هم أحد إلا لزم قلبه أربع فقر لايدرك غناه وهم لا ينقضي مداه وشغل لا ينفذ أول وأمل لايدرك منتهاه ) .

* عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال ( من أعطى أربع خصال فقد أعطى خير الدنيا والآخرة وفاز بحظه منهما : ورع يعصمه عن محارم الله وحسن خلق يعيش به في الناس وحلم يدفع به جهل الجاهل وزوجة صالحة تعينه على مر الدنيا والآخرة ) .

* قال الامام مالك بن انس ( لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك ولا يؤخذ من سفيه ولا من صاحب هوى ولا ممن يكذب في أحاديث الناس ولا ممن لا يعرف ما يحدث به من حيث المصادر والاختيار ) .

* سأل أعرابي الخليل بن احمد ( ما أنواع الرجال ؟ فقال الخليل ( الرجال أربعة رجل يدري ويدري انه يدري فسلوه ورجل يدري ولا يدر انه يدري فذاك ناس فذكروه ورجل لا يدري ويدري انه لا يدري فذلك يسترشد فعلموه ورجل لا يدري ولا يدري انه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه ) .

* الراحة في أربعة :-

راحة الجسم في قلة الطعام ، وراحة الروح في قلة الأثام ، وراحة القلب في قلة الاهتمام ، وراحة اللسان في قلة الكلام ).

* كمال الرجل في أربعة : الديانة ، الامانه ، والصيانة والرزانة .

* العلوم أربعه :

كونية لإصلاح الجسم ، وأدبية لإصلاح اللسان ، ونظرية لإصلاح الفكر ، ودينية لإصلاح الروح ، والمرء بالروح لا بالجسم انسان .

* أربعة تحفظ من أربعة : -

العفة من الحرام ، والمعرفة من الأثام ، والمروءة من الغدر ، والديانة من الشر .

* أربعة تدل على الجهل ك

صحبة الجهول ، وكثرة الفضول ، وإذاعة السر ، وإثارة الشر .

* قال حكيم أربعة تولد الصحبة :-

حسن البشر ، وبذل البر ، وقصد الرفاق ن وترك النفاق .

* قال حكيم أربع خصال للجهال : -

( من غضب على من لا يرضيه ومن جلس إلى من لا يدنيه ومن تفاقر إلى من لا يغنيه ومن تكلم بما لا يعينه ) .

* قال حكيم : خذ من الأربع لأربع :

( ومن عافيتك لسقمك ، ومن صباك لهرمك ، ومن غناك لفقرك ، ومن دنياك لأخرتك ) .

* أحذر الشيطان من أربع :

على عقيدتك إن يفسدها بالآراء وعلى عبادتك إن يفسدها بالأهواء وعلى عملك إن يفسده بالرياء وعلى خلقك إن يفسده بالخيلاء ) .

* أربعة يجب الدفاع عنها :

الدين ، الشرف ، والوطن ، والمبدأ .

* أربعة يجب ضبطها : اللسان ، والأعصاب ، والنفس ، والشعور .

* أربعة يجب التخلي عنها : التملق ، والوشاية ، والتبذير ، والكسل .

* أربعة لابد منها : الماء – والهواء – والكلام – والموت .

* أربعة مطلوبة :

الاعتراف بالجميل ، ومحبة الوالدين ، والصديق الوفي ، والوفا بالوعد .

أربعة تؤدي إلى أربعة :

( العقل إلى الرياسة ، والرأي إلي السياسة ، والعلم إلي التصدير ، والحلم إلى التوقير ) . __________________
لا تبك كالنساء على وطن لم تصنه كالرجال

نصرة لرسول الله صلي الله عليه وسلم

مقا طعة البضائع الدانمركية
قامت 12 صحيفة دنما ركية
بإعادة نشر الصور المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام فماذا نحن فاعلون هل نسكت ونخضع لهم ولا نفعل شيء لا وألف لا فنحن فداك يا رسول الله وإن كانوا أعادوا نشرها فلنعد نحن للمقاطعة مرة أخري

[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])


إذا إخوتي هكذا يتم إعادة نشر تلك الصور بحجه واهية دون الإلتفات لقيمة رسول الله عند المسلمين ودون الإلتفات لمشاعهرهم وهكذا سولت لهم أنفسهم فعلها مرة أخري فماذا نحن فاعلون ونقول لن نهددهم بالقتل ولا بحرق سفاراتهم ولكن من حقنا أن نقاطعهم ومن حقنا أن نقول لهم أن رسول الإسلام هو أغلي ما عندنا ولن نسمح لكم بالإساءة أليه وهكذا إخوتي لا نملك إلا المقاطعة ونشر ذلك الجروب والدعوة إليه لتكون رسالة إليهم ومن قبلها أننا نقف أمام الله يوم القيامة ونقول له لم يكن لدينا أي شيء ندافع به عن رسولك إلا أن نقاطع بضائعهم وفداك يا رسول الله صلي الله عليه وسلم

لا ئحة البضائع الدنماركية
1. حليب نيدو .
2. حليب أنكور .
3. زبده لورباك .
4. جبنه البقرات الثلاث .
5. جبنه الدانمركية البيضاء
6-ا.منتجات كيندر (kinder).

7. جبنه بوك .
8. عصير سنتوب .
9. عصائر ومنتجات (KDD) شركة كويتية دانمركية لإنتاج العصائر ومعجون الطماطم وزيت الزيتون وقشطه وحليب وغيره ، ابحث عن شعار الشركة (KDD) وتجاهلها .
10. أسهم سدافكو السعودية شركة سدافكو قائمة على إنتاج المواد الغذائية من الألبان ومشتقاتها والعصائر وغيرها ولها ارتباط وثيق ببعض الشركات الدانمركية ، لا تساهم في الشركة ولا تشتري من منتجاتها :
حليب : حليب السعودية وهو أشهر منتجات الشركة بالإضافة إلى حليب شاكا وحليب أطفال السعودية .
العصائر : شراب ماجستك ، شراب السعودية للأطفال ، وعصائر السعودية ، وعصير فيفيير .
المياه المعدنية : مياه السعودية .
المأكولات الخفيفة : ماركه كريسبي .
الأجبان : وتشمل أجبان فيتا السعودية وجبنه المثلثات السعودية .
المأكولات الغذائية : وتشمل صلصة طماطم السعودية ومعجون طماطم السعودية .
الآيسكريم : موفمبيك ، بريمو السعودية ، مور ، ويوفو .
11. جمـيع منتجات مخابز وشركة صوفي دى فرانس لصنع الفطائر والمعجنات الدانمركية .
12. المقاطعة النسائية وتشمل جميع منتجات :
شركة بيزون وهي شركة دانمركية مشهورة في عالم التجميل : ابحث عن شعار الشركة على العطور والماكياج وأدوات العناية بالجسم .
جل الشعر (ZETA) وكريم وصابون ومزيل عرق ورغوة شامبو(HAZZ) وملمع شفاه شازاد .
13. حليب كارولين .
14. أي أنواع من الشوكلاته والحليب والجبن والبسكويت تكون من إنتاج شركة كارولين .
15 جبنة ليدي بيرد روكفور

[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])

لا اله الا الله محمد رسول الله

من الخيارات المطروحة للعراق

من الخيارات المطروحة للعراق طباعة ارسال لصديق
29/12/2006

فيما تصاعَـد معدّل الخسائر في العراق وانهارت ثقة الشعب الأمريكي في استراتيجية بوش وقادته
العسكريين، وفيما أصبحت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في أوائل الشهر القادم استفتاءً على
كيفية الخروج من المأزق العراقي..

.. بدأ البحث في واشنطن عن خيارات تحفّـظ بعض ماء الوجه أمام الفشل الأمريكي في العراق،
الذي ينزلق نحو حرب أهلية دامية.

بدأت موجة الخيارات المطروحة أشبه ما تكون بتقليعة أمريكية تستَـند إلى أسلوب التجربة والخطأ الذي وقعت فيه إدارة بوش في تعامُـلها مع عراق ما بعد الحرب، وكان أخطرها قرار تسريح الجيش العراقي الذي اتّـخذه بول بريمر، أفشل حاكم عسكري في تاريخ مغامرات الاحتلال الغربية، ويقضي هذا الخيار الذي ينسبه البعض في واشنطن إلى الجنرال جون أبي زيد، أعلى القادة العسكريين الأمريكيين في الشرق الأوسط، بأنه طالما أن الحكومات العراقية الأربع التي تعاقبت على الحكم الشكلي للعراق تحت الاحتلال منذ أغسطس 2003 قد أثبتت فشلا ذريعا في أدائها، وسيكون من الصّـعب تشكيل حكومة مدنية خامسة لمواجهة انزلاق العراق إلى أتُـون الحرب الأهلية، فإن الملاذ الوحيد هو السماح لجنرالات عراقيين أقوياء بتشكيل مجلس عسكري يتولّـى إدارة العراق.

وبدأ السفير الأمريكي في بغداد زالماي خليل زاد في جسّ نبض الزعماء العراقيين، واعترف لهم بأن مثل ذلك الخيار سيجلُـب انتقادات واسعة للولايات المتحدة، التي ستبدو وكأنها تُـناهض الديمقراطية وتخرج على مبادئها المعلنة، وستتحمّـل الولايات المتحدة هذه الانتقادات على أمل أنها ستنحسر تدريجيا، إذا نجحت الحكومة العسكرية العراقية المنشودة في تخفيف الاحتقان الطائفي وحلّ الميليشيات وتقليص العنف والاقتتال.

ولكن الروايات اختلفت حول كيفية تشكيل حكومة الجنرالات العراقيين، فقد تحدّثت الروايات الواردة من العراق عن أن المجلس العسكري العراقي سيضُـم الفريق نصير العبادي، الذي كان يشغل منصبا قياديا رفيعا في هيئة الأركان العراقية في عهد صدام حسين، واللواء محمد الشهواني، المدير الحالي للمخابرات العراقية، وقائد الطيران العراقي اللواء طيار كمال برزنجي، بالإضافة إلى ستة أعضاء آخرين يتم ضمّـهم للمجلس العسكري للإشراف على الوزارات العراقية.

وتتفق الرواية العراقية مع ما كشفت عنه بعض وسائل الإعلام الأمريكية، من أنه سيتم التمهيد لاستيلاء المجلس على الحكم في العراق بانقلاب عسكري، تُـسانده قوات الجيش الجديد الذي درّبته القوات الأمريكية على أن تغمض الولايات المتحدة عينيها عنه حتى يتم نجاحه، ثم تصدر بيانات علنية تُـدين الإطاحة بحكومة عراقية منتخبة ديمقراطيا! ولكنها تبدي الاستعداد لمواصلة مساندتها للعراقيين في محاولاتهم إطفاء جذوة التمرد والعنف.

ويدافع عن هذا السيناريو الكولونيل المتقاعد روبرت كيلبرو، محلل شؤون الأمن القومي الأمريكي، الذي يرى أن الوضع في العراق لا يتطلّـب نظاما ديمقراطيا، بل نظام حكم مُـستقر لا يناصب الولايات المتحدة العداء، كما أن عودة بعض قادة جيش صدام إلى القوات المسلحة سينزع فتيل أحد المظالم الرئيسية، التي تحرّك التمرّد المسلّـح منذ قرار تسريح الجيش الذي اتّـخذه بريمر، فيما سيوفر الحكّـام العسكريون الأمل لمُـعظم العراقيين في إبقاء العراق موحّـدا تحت قبضتهم

جمال ريان صحفي بالجزيرة

الآن فهمنا لماذا سمحوا لحماس بالفوز في الانتخابات

الآن فهمنا لماذا سمحوا لحماس بالفوز بالانتخابات ! طباعة ارسال لصديق
17/06/2007
د. فيصل القاسم ـ الجزيرة توك
لا شك أن الكثيرين تساءلوا، وربما تعجبوا من هذا "الكرم" الأمريكي والأوروبي والإسرائيلي والفتحاوي والعربي مع حركة حماس عندما سمحوا، ثم سهـّلوا لها المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة. وقد زادت علامات التعجب أكثر فأكثر بعد فوز الحركة الكاسح بمعظم مقاعد المجلس التشريعي. هرش معظمنا رأسه وقتها، وتساءل: هل يُعقل أن يصل السخاء والتسامح الأمريكي والإسرائيلي والرسمي الفلسطيني بأن يتركوا حركة مغضوباً عليها تدخل الانتخابات، ثم تفوز بها لتشكل أول حكومة فلسطينية ذات توجه إسلامي ثوري؟
لقد حظي الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد قبوله لنتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة بإطراء ومديح غزيرين من القاصي والداني. كيف لا وهو الذي اعترف بهزيمة حركته (فتح) أمام حركة فلسطينية معادية برحابة صدر، لا بل دعمها في تشكيل الحكومة الفلسطينية، بالرغم من امتناع حركته عن المشاركة في الحكومة الجديدة في البداية.

وبدورها بدت إسرائيل في أعين العالم دولة ديموقراطية متسامحة، خاصة وأنها سمحت للفلسطينيين بأن يشاركوا في الانتخابات، ويصوتوا لحركة حماس، العدو اللدود للدولة العبرية. لقد كان القبول الإسرائيلي بإجراء الانتخابات ومشاركة (حماس) فيها مثيراً للإعجاب والتساؤلات في آن معاً.
ومما زاد في حيرة المراقبين وقتها أن أمريكا لم تثر ضجة تُذكر حول اشتراك حركة (حماس) في الانتخابات، فقد باركتها بطريقة غير مباشرة، مع علمها المسبق أن الحركة ستكتسح صناديق الاقتراع.
أما الموقف العربي فبدوره فقد ساير الموقفين الإسرائيلي والأمريكي، فاعتبر مشاركة حماس في اللعبة الديموقراطية الفلسطينية شأناً فلسطينياً، مع العلم أن بعض الأنظمة العربية تعتبر حماس رجساً من عمل الشيطان فاقتلعوه. وقد ظننا وقتها أن تلك الأنظمة رضخت للإرادة الشعبية الفلسطينية التي اختارت حركة المقاومة لتقود الشعب الفلسطيني.

آه كم كان بعضنا مغفلاً عندما صفق لفوز (حماس) ومن ثم صعودها إلى سدة الحكم في فلسطين! لو كنا أبعد نظراً لكنا قد بكينا وذرفنا الدموع وقتها على تلك اللعبة الخبيثة التي يحصد الشعب الفلسطيني نتائجها الوخيمة هذه الأيام حصاراً واقتتالاً وتناحراً وجوعاً!

لم يعد يخفى على أحد أن تسهيل اشتراك حركة حماس في الانتخابات ووصولها إلى السلطة كان مجرد قشرة موز أو فخ منصوب بدهاء شديد. فقد رأى الإسرائيليون والأمريكيون والأوروبيون وأزلامهم العرب والأسلويون أن حركات المقاومة عصية على التركيع والترويع، ومن الصعب كسر شوكتها بالوسائل العسكرية التقليدية، خاصة وأن تلك الحركات أثبتت تاريخياً قدرة عظيمة على هزيمة المحتلين في الجزائر وفيتنام ولبنان وغيره. فكان لا بد من إيجاد طريقة لحرفها عن مسارها، ومن ثم تمييعها.
ومن سوء الحظ فقد ابتلعت حركة (حماس) الطعم، وتخلت عن المقاومة، بحجة أنها ستحمل السلاح في يد والكومبيوتر في اليد الأخرى. طبعاً لا أحد يشكك في نوايا الحركة الطيبة لتحرير الشعب الفلسطيني وقيادته إلى بر الأمان، بدليل أن السواد الأعظم من الفلسطينيين صوتوا لها بطيب خاطر في الانتخابات التشريعية، ناهيك عن أن الشارع العربي من المحيط إلى الخليج فرح كثيراً بفوزها. لكن ألم يأت فوز الحركة وبالاً على الشعب الفلسطيني؟ ألم يحقق كل ما خطط له الخبثاء في تل أبيب؟

ما أن تسلمت حماس السلطة حتى طالبوها بالاعتراف بإسرائيل بحجة أنها ملزمة باحترام الاتفاقيات الدولية الموقعة بين منظمة التحرير والدولة العبرية. وكان ذلك المطلب بداية تطويق الحركة وإفراغ انتصارها الانتخابي من مضمونه ومن ثم محاصرتها. فرفضت الحركة طبعاً. لكن نتيجة الرفض جعلت القوى الفاعلة دولياً تفرض على الشعب الفلسطيني حصاراً مرعباً أوصل الكثيرين إلى حافة الجوع، ولم يستلم الموظفون رواتبهم لشهور وشهور. وبالرغم من الحصار المطبق على الشعب الفلسطيني عربياً ودولياً صمد الفلسطينيون، وظلوا متمسكين بحكومتهم بعدما ناورت قليلاً كي تمتص الضغوط والمؤامرات المحدقة بها من كل حدب وصوب.

ولمّا وجد العدو أن خططه السابقة لم تؤت أُكلها تماماً انتقل إلى المرحلة الثانية من المخطط، فأوعز لأزلامه بأن يبدأوا التحرش بحركة حماس بحجة أنها أساءت للشعب الفلسطيني وجوعته، ولم تحقق أياً من وعودها الانتخابية. وقد سمعنا قبل شهور صوت الجنرال محمد دحلان امبراطور الأمن في فلسطين وهو يلعلع مهدداً برد "الصاع صاعين" لحماس. ومنذ ذلك الوقت والتوتر يتصاعد بين ممثلي الشعب الحقيقيين الذين فازوا بالانتخابات و(جماعة أوسلو) التي نبذها الفلسطينيون في صناديق الاقتراع، حتى تحولت التهديدات إلى حرب حقيقية بين الجماعتين. وقد نشرت صحيفة "يونجا فيلت" الألمانية بالأمس تقريراً موثقاً يفيد بأن واشنطن خططت لصعود حماس ومن ثم ضربها بحلفاء البيت الأبيض في منظمة التحرير الفلسطينية. والشواهد كثيرة على تسليح جماعة أبو مازن حتى أسنانهم للتصدي للحركة التي جاءت بها صناديق الاقتراع إلى السلطة.

هل كانت تريد إسرائيل أكثر من أن ترى الحركة التي كانت تقض مضاجعها في الماضي وهي الآن منخرطة حتى إذنيها في معارك ضارية ضد حركة فتح في قطاع غزة والضفة الغربية بعيداً عن الصراع مع المحتلين؟ هل ما زالت (حماس) تحظى بنفس القدر من الاحترام في الشارعين الفلسطيني والعربي؟ ألم تفقد الكثير من هيبتها؟ ألا يردد الشعب الفلسطيني في أعماقه هذه الأيام البيت الشهير: رب يوم بكيت فيه، فلما صرت في غيره بكيت عليه؟ ألم يكن البعض محقاً عندما اعتبر تورط (حماس) في اللعبة الديموقراطية خطيئة كبرى على ضوء سقوطها في الحضن السعودي، ومن ثم انجرارها إلى الاقتتال الداخلي الآن؟ ألم يكن البعض مصيباً عندما استهجن هذا التلاقي بين حركة مقاومة عتيدة وأنظمة عربية تستمتع بألقاب "الاعتدال" التي تغدقها عليها غوندوليزا رايس؟

آه لو قرأ الشعب الفلسطيني تاريخ بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لربما تردد في اختيار حركة حماس لحكمه. فمن المعلوم أن الشعب البريطاني لم يصوت لوينستون تشيرتشل بعد الحرب، بالرغم من انتصاره الساحق على هتلر، على اعتبار أن من ينجح في الحرب قد لا ينجح في الحكم. وبالتالي اختاروا شخصاً آخر لقيادتهم.

فهل تتعظ حركات المقاومة العربية من تجربة (حماس) وتبتعد عن إغراءات السلطة وشراكها؟ أليس حرياً بحركة المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله أن لا تتورط كثيراً في لعبة السلطة إذا كان لها أن تحافظ على هيبتها ومكتسباتها؟ فكما فعلت إسرائيل مع حماس تريد الآن بالتعاون مع واشنطن وأزلامها في بيروت أن تنتقم من حزب الله الذي مرغ أنفها بالتراب، وذلك بزجه في صراعات داخلية ليذهب ريحه. وكذلك تفعل أمريكا مع حركات المقاومة العراقية بالتعاون مع معاولها في المنطقة الخضراء وذلك بإغرائها بالمشاركة في السلطة.بعد أن أعياها القضاء عليها عسكرياً.

أليس حرياً بالمقاومين إذن أن يظلوا في مواقعهم النظيفة، وأن لا ينجروا إلى ملاعب السياسة القذرة، كما فعل كل الثوريين الأنقياء على مدى التاريخ، مع الاعتراف بأن الثورات ينجزها الشرفاء ويرثها الأوغاد